النَّفْسِ مِن العِلْم ، وهذا هو الأصلُ ، وقد جَعل ذلك بعضُ المُتكلِّمين معنًى مُقتضِياً للأفعال الخارِجةِ ( 1 ) عن النِّظام ، كما جَعَل العِلْمَ معنًى مقتضياً للأفعال الجارِية علَى النِّظام . والثاني : اعتقادُ الشيء بخِلافِ ما هو عليه . والثالث : فِعْلُ الشيء بخلاف ما حَقه أن يُفْعَلَ ، سواءٌ اعتُقِد فيه اعتِقاداً صحيحاً أم فاسِداً ، كتارِكِ الصَّلاةِ عَمداً . وعلى ذلك قولُه تعالى : ( أَتتخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) ( 2 ) فجَعل فِعلَ الهُزُؤِ جَهلاً . وقولُه تعالى : ( فَتَبيّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوماً بِجَهَالَةٍ ) ( 3 ) . والجاهِلُ يُذْكَر تارَةً على سَبيلِ الذّمِّ ، وهو الأكثَرُ ، وتارَةً لا علَى سَبيلِه ، نحو : ( يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ ) ( 4 ) أي مَن لا يَعرِفُ حالَهم . انتهى .
قلت : والجَهْلُ عَلَى قِسمين : بَسِيطٍ ومُرَكَّب ، فالبَسِيطُ : عَدَمُ العِلْمِ عمّا مِن شأنِه أن يُعْلَمَ ، والمُركَّب : اعتِقادٌ جازمٌ غيرُ مُطابِقٍ للواقِع ، قاله ابنُ الكَمال . وقال العَضُد : أصحابُ الجَهلِ البَسِيطِ كالأَنْعام ، لفَقْدِهم ما به يمتازُ الإنسانُ عنها ، بل هم أَضَلُّ ؛ لتَوجُّهِها نحوَ كمالاتِها ، ويُعالَجُ بمُلازَمةِ العُلماء ليَظْهَر له نَقصُه عندَ مُحاوراتِهم . والجَهْلُ المُركَّبُ إن قَبِلَ العِلَاجَ ، فبمُلازَمَةِ الرياضاتِ ، ليَطْعَمَ لَذَّةَ اليَقِين ، ثم التَّنبيهِ على مُقَدِّمةٍ مُقَدِّمةٍ بالتَّدْريج . وقال شَمِرٌ : المعروفُ مِن كَلام العَرَب : جَهِلْتُ الشيء : إذا لم تَعْرِفْه ، تقول : مِثْلِي لا يَجْهَلُ مِثْلَك ، وأمّا قولُه تعالى : ( إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) ( 5 ) فإنه مِن قولِك : جَهِلَ فُلانٌ رأْيَه .
وجَهِل علَيه : أظْهَر الجَهْلَ ، كتجَاهَلَ أَرَى مِن نَفسِه أنه جاهِلٌ .
وهو جاهِلٌ وجَهُولٌ ، ج : جُهْلٌ بالضّمّ ، وبضمَّتين ، وكَرُكَّعٍ ، وجُهّالٌ كرُمّانٍ . وجهَلاءُ ، وهو جاهِلٌ مِنه : أي جاهِلٌ بِه غيرُ مُخْتَبِرٍ لحالِهِ .
والمَجْهَلَةُ : كمَرْحَلَةٍ ما يَحْمِلُكَ علَى الجَهْلِ من أَمْرٍ أو أرْضٍ أو خَصْلَةٍ ، ومنه الحديث : " الوَلَدُ مَبخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ وفي رواية مَجْهَلَة .
وجَهَّلَهُ تَجْهِيلاً نَسَبه إليه وقال عُمر بنُ عبدِ العزيز : زَعَمَت المرأةُ الصالِحةُ خَوْلَةُ بنتُ حَكِيمٍ امرأةُ عُثمانَ بنِ مَظْعُونٍ ، رضي الله تعالى عنهما : أنّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم خرجَ ذاتَ يومٍ وهو مُحْتَضِنٌ أحدَ ابني ابنتِه وهو يقول : " واللّهِ إنّكُم لَتُجَبِّنُونَ وتُبَخِّلُونَ وتُجَهِّلُونَ وإنَّكُم لَمِنْ رَيْحانِ اللّهِ " أي يُوقِعُه الوَلَدُ في الجَهْلِ ، شُغْلاً به عن طَلَبِ العِلْم .
وأَرْضٌ مَجْهَلٌ كمَقْعَدٍ لا أعلامَ فِيها لا يُهْتَدَى فيها إلّا بالآرامِ ، قال مُزاحِمٌ العُقَيلِيّ :
غَدَتْ مِنْ عَلَيهِ بعدَما تَمَّ خِمْسُها ( 6 ) * تَصِلُّ وعَن قَيضٍ بِزَيْزاءَ مَجْهَلِ
والجَمْعُ مَجاهِلُ ، وهي خِلافُ المَعالِم . وقال الراغِبُ : المَجْهَلُ : الأَمرُ ، والأرضُ ، والخَصْلَةُ التي تَحْمِلُ الإنسانَ على الاعتقادِ بالشيء خِلافَ ما هو عليه . لا تُثَنَّى ولا تُجْمَعُ .
قال شيخُنا : بل ثَنَّوْهُ وجَمعُوهُ . وذكره عِياضٌ في خُطْبَةِ الشِّفاء ، وأقَرَّه شُرّاحُه ، وناهِيكَ به . واسْتَجْهَلَهُ : استَخَفَّهُ قال النابِغَةُ الذُّبْيانيّ :
دَعاكَ الهَوَى واسْتَجْهَلَتْكَ المَنازِلُ * وكيف تَصابى المَرْءِ والشَّيبُ شامِلُ ؟ ( 7 )
وفي المَثَل :
* نَزْوَ الفُرارِ اسْتَجْهَل الفُرارا ( 8 ) *
أي إذا شَبَّ الفُرارُ أخذَ في النَّزَوانِ ، فمَتى رآه غيرُه نَزا لِنَزْوِه ، يُضْرَبُ لِمَن تُتَّقَى مُصاحَبتُه .
ومِن المَجاز : استَجْهَلَتِ الريحُ الغصْنَ : أي حَرَّكَتْه فاضطَرَبَ قال الراغب : كأنها حَمَلَتْه على تَعاطِي الجَهْلِ ، وذلك استعارةٌ حَسَنةٌ .
والمِجْهَلُ كمِنْبَرٍ ومِكْنَسَةٍ وصَيقَلٍ وصَيقَلَةٍ : خَشَبَةٌ يُحرَّك بها الجَمْرُ لُغةٌ يَمانِيَةٌ ، نقلَه ابنُ دُرَيْد ( 9 ) ، ما عدا اللغةَ الثانيةَ .
والجاهِلُ : الأَسَدُ الذي يَخْرِقُ بالفَرِيسَةِ . قال :
هامش
( 1 ) في المفردات : الأفعال الجارية على غير النظام .
( 2 ) البقرة الآية 67 .
( 3 ) الحجرات الآية 6 .
( 4 ) البقرة الآية 273 .
( 5 ) هود الآية 46 .
( 6 ) بهامش المطبوعة المصرية : " قوله : خمسها ، ويروى : ظمؤها وهو بمعناه " .
( 7 ) ديوانه صفحة 58 واللسان والمقاييس 1 / 490 والأساس .
( 8 ) الأساس واللسان .
( 9 ) الجمهرة 2 / 114 .