دَناءَةٌ وَشَرَهٌ وإسْفافٌ لمَداقِّ المَطامِع ، يقال من ذلك : هو راضِعٌ راثِعٌ ، وقد رَثِعَ رَثَعَاً ، من حدِّ فَرِحَ .
[ رجع ] : رَجَعَ بنَفْسِه يَرْجِعُ رُجوعاً ومَرْجِعاً ، كمَنزِلٍ ، ومَرْجِعَةً ، كمَنزِلَة . ومنه قَوْله تَعالى : ( ثمّ إلى ربِّكُم مَرْجِعُكُم ) ( 1 ) شاذَّان ؛ لأنّ المصادرَ من فَعَلَ يَفْعِلُ ، أي بفتحِ العَينِ في الماضي وكَسرِهما في المضارعِ إنّما تكونُ بالفَتْح ، كما في الصحاح ، وفي اللِّسان : قَوْله تَعالى : ( إلى الله مَرْجِعُكُم جَميعاً ) ( 2 ) أي رُجوعُكم ، حكاه سيبويه فيما جاءَ من المصادرِ التي من فَعَلَ يَفْعِلُ على مَفْعِل بالكَسْر ، ولا يجوزُ أن يكون هنا اسمُ المكان ؛ لأنّه قد تعَدَّى بإلى ، وانتصبَ عنه الحالُ ، واسمُ المكانِ لا يَتَعَدَّى بحرفٍ ، ولا يَنْتَصِبُ عنه الحال . إلاّ أنّ جُملةَ البابِ في فَعَلَ يَفْعِلُ أن يكونَ المصدرُ على مَفْعَل ، بفتحِ العَين ، ورُجْعى ورُجْعاناً ، بضمِّهِما : انْصرفَ ، وفي التنزيل : ( إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى ) ( 3 ) أي الرُّجوع .
ورَجَعَ الشيءَ عن الشيءِ ، ورَجَعَ إليه ، وهذه عن ابنِ جِنِّي رَجْعَاً ومَرْجِعاً ، كَمَقْعَدٍ ومَنزِلٍ : صَرَفَه ورَدَّه ، كَأَرْجعَه وهذه لغةُ هُذَيْلٍ ، كما نَقَلَه الجَوْهَرِيّ ، قال شَيْخُنا : وهي ضعيفةٌ رديئةٌ ، كما صرَّحَ به غيرُ واحدٍ ، فلا اعتِدادَ بإطلاقِ المُصَنِّف إيّاها ، كالمَشهور . قلت : أمّا كَوْنُها لغةَ هُذَيْل فقد صرَّحَ به غيرُ واحدٍ ، وأمّا كَوْنُها ضعيفةً رديئةً فلم أرَ أحداً من الأئمَّةِ صرَّحَ بذلك ، كيف وقد حكى أبو زَيْدٍ عن الضَّبِّيِّينَ أنهم قرأوا ( أَفَلا يَرَوْنَ أنْ لا يُرْجِعُ إليهم قَوْلاً ) ( 4 ) وقولُه عزَّ وجَلَّ : ( قالَ رَبِّ أَرْجِعون ) ( 5 ) .
وقال الراغبُ في المفردات : الرُّجوع : العَودُ إلى ما كان منه البَدءُ ، أو تقديرُ البَدءِ مكاناً أو فِعلاً أو قَولاً ، وبذاتِه كان رُجوعُه أو بجُزءٍ من أجزائِه ، أو بفِعلٍ من أَفْعَاله ، فالرُّجوع : العَود ، والرَّجْع : الإعادة . قلتُ : أيّ رَجَعَ كان : لازِماً ، أو واقِعاً ، فمصدرُه لازِماً الرُّجوع ، ومصدرُه واقِعاً الرَّجْع ، يقال : رَجَعْتُه رَجْعَاً ، فَرَجَع رُجوعاً . قال شَيْخُنا : هذا هو المشهورُ المعروف سَماعاً وقياساً ، وزعمَ بعض أنّ الرَجْعَ يكونُ مَصْدَراً للاّزِمِ أيضاً . قلتُ : كما هو صَنيعُ صاحبِ المُحكَم ، فإنّه سَرَدَه في جُملة مصادرِ اللاّزم . قال الراغب : فمِنَ الرُّجوعِ قَوْله تَعالى : ( لَئِنْ رَجَعْنا إلى المدينةِ ) ( 6 ) ، ( فلمّا رَجَعوا إلى أبيهِم ) ( 7 ) ، ( ولمّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِه ) ( 8 ) ، ( وإنْ قيل لكم ارْجِعوا فارْجِعوا ) ( 9 ) ومن الرَّجْع قَوْله تَعالى : ( فإنْ رَجَعَكَ اللهُ إلى طائفةٍ ) ( 10 ) ، وقَوْله تَعالى : ( ثمَّ إليه مَرْجِعُكُم ) ( 11 ) يَصِحُّ أن يكونَ من الرُّجوع ، ويصحُّ أن يكون من الرِّجْع . وقُرِئَ ( واتَّقُوا يَوْمَاً ترْجعون فيه إلى الله ) ( 12 ) بفتحِ التاءِ وضمِّها ، وقولُه : ( لعلَّهُم يَرْجِعون ) ( 13 ) أي عن الذَّنْب ، وقَوْله تَعالى : ( وحَرامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكناها أنّهم لا يَرْجِعون ) ( 14 ) أي حرَّمْنا عليهم أن يَتوبوا ويَرجِعوا عن الذَّنْب تَنْبِيهاً على أنّه لا تَوْبَةَ بعدَ المَوت ، كما قيل : ( ارْجِعوا وراءَكُم فالْتَمِسوا نُوراً ) ( 15 ) وقَوْله تَعالى : ( بمَ يَرْجِعُ المُرسَلون ) ( 16 ) فمن الرُّجوع ، أو من رَجْعِ الجَواب ، وقَوْله تَعالى : ( ثمّ توَلَّ عنهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعون ) ( 17 ) فمن رَجْعِ الجوابِ لا غير ، وكذا قولُه : ( فناظِرَةٌ بمَ يَرْجِعُ المُرسَلون ) .
قلتُ : ومن المُتَعَدِّي حديثُ السَّجُود ( 18 ) : فإنّه يُؤَذَّنُ بلَيلٍ ليَرْجِعَ قائِمُكُم ويوقِظَ نائِمَكم " والقائمُ : هو الذي يُصلّي صَلاةَ الليل ، ورُجوعُه : عَوْدُه إلى نَوْمِه ، أو قُعودُه عن صَلاتِه إذا سَمِعَ الأذان .
وقال ابنُ الفرَج : سَمعتُ بعضَ بني سُلَيم يقول : قد رجَعَ كلامي فيه ونَجَع ، بمعنى أَفادَ ، وهو مَجاز .
ورَجَعَ العَلَفُ في الدَّابَّةِ ونَجَعَ : إذا تبيَّنَ أَثرُه فيها ، وهو مَجاز .
ويُقال : أَرسَلْتُ إليكَ فما جاءَني رُجْعَى رِسالَتي ،
هامش
( 1 ) سورة الأنعام الآية 164 .
( 2 ) سورة المائدة الآية 48 و 105 .
( 3 ) سورة العلق الآية 8 .
( 4 ) سورة طه الآية 89 .
( 5 ) سورة المؤمنون الآية 99 .
( 6 ) سورة المنافقون الآية 8 .
( 7 ) سورة يوسف الآية 63 .
( 8 ) سورة الأعراف الآية 150 .
( 9 ) سورة النور الآية 28 .
( 10 ) سورة التوبة الآية 83 .
( 11 ) سورة الأنعام الآية 60 .
( 12 ) سورة البقرة الآية 281 .
( 13 ) سورة آل عمران الآية 72 .
( 14 ) سورة الأنبياء الآية 95 .
( 15 ) سورة الحديد الآية 13 .
( 16 ) سورة النمل الآية 35 .
( 17 ) سورة النحل الآية 28 .
( 18 ) في النهاية واللسان : السحور .