ومن المَجَاز : اللِّبَاسُ ، ككِتَاب : الزَّوجُ والزَّوْجةُ ، كُلٌّ منهما لِبَاسٌ للآخَرِ ، قال اللهُ تَعَالَى : ( هنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ) ( 1 ) أَي مِثْلُ اللِّبَاسِ ، وقالَ الزَّجَّاجُ : ويقَال : إِن المَعْنَى : تُعَانِقُونَهُنَّ ويعَانِقْنَكُمْ . وقِيلَ : كُلُّ فَرِيقٍ منكم يَسْكُن إِلى صاحِبهِ ويُلاَبِسُه ، كما قال تعالى : ( وجَعَلَ منْهَا زَوْجَهَا ليَسْكُنَ إِلَيْهَا ) ( 2 ) والعربُ تُسَمِّي المَرْأَةَ لِبَاساً وإِزاراً ، قال الجَعْدِيُّ يصِفُ امرأَةً :
إِذَا ما الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهُ * تَثَنَّتْ فكانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَاً
وقالَ ابنُ عَرَفَةَ : اللِّبَاسُ ، مِن المُلاَبَسَةِ ، أَي الإخْتِلاطُ والإجْتِمَاعُ .
ومن المَجَازِ قولُه تعالَى : ( وَلِبَاسَ التَّقوَى ذلِكَ خَيْرٌ ) ( 3 ) قيل : هو الإِيمانُ ، قالَه السُّدِّيُّ ، أَو الحَيَاءُ ، وقد لبِسَ الحيَاءَ لِبَاساً ( 4 ) ، إِذا إسْتَتَر به ، نقلَه ابنُ القَطّاع ، وقيل : هو العَمَلُ الصالحُ ، أَو سَتْرُ العَوْرَةِ ، وهو سَتْرُ المُتَّقِين ، وإِليه يُلْمِحُ قولُه تَعالَى : " أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ " فيَدُلُّ عَلَى أَنّ جُلَّ المَقْصِدِ منِ اللِّبَاسِ سَتْرُ العَوْرَةِ ، وما زادَ فتَحَسُّنٌ وتَزَيُّنٌ ، إِلاّ مَا كَانَ لِدَفْع حَرٍّ وبَرْدٍ فَتَأَملْ . وقِيلَ : هو الغَلِيظُ الخَشِنُ القَصيرُ . وقولُه تَعالَى ( فَأَذَاقَها اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ والخَوْفِ ) ( 5 ) أَي جاعُوا حتَّى أَكَلُوا الوَبَرَ بالدَّم ، وهو العِلْهِزُ ، ولَمّا بَلَغ بِهِمُ الجُوعُ الغَايَةَ ، أَي الحالَة الّتِي لا غَايَةَ بَعْدَها ضَرَب لَه اللِّباسَ ، أَي لِمَا نالَهُم من ذَلك ، مَثَلاً لإشْتِمَالِه على لاَبِسِه .
واللَّبُوسُ ، كصَبُورٍ : الثِّيَابُ والسِّلاحُ . مُذَكَّرٌ فإِنْ ذَهَبْتَ به إِلى الدِّرْعِ أَنَّثْت ، وقالَ اللهُ تَعَالى : ( وعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبوسٍ لَكُمْ ) ( 6 ) قالوا : هي الدِّرْعُ تُلْبَسُ في الحُرُوبِ ، كالرَّكُوب لِما يُرْكَبُ . واللَّبيسُ ، كأَمِيرٍ : الثَّوْبُ قد أُكْثِرَ لُبْسُهُ فأَخْلَقَ ، يقال : ثَوْبٌ لَبِيسٌ ، ومُلاءَةٌ لَبِيسٌ . بغير هاء . واللَّبِيسُ : الْمِثلُ يُقَال : ليسَ لَه ( 7 ) لَبِيسٌ ، أَي نَظِيرٌ ومِثْلٌ . وقال أَبو مالِكٍ : هو من المُلابَسَةِ ، وهي المُخَالَطَةُ .
ودَاهِيَةٌ لَبْسَاءُ ( 8 ) : مُنْكَرَةٌ ، وكذلكَ رَبْسَاءُ ، وقد تقدَّم .
واللَّبَسَةُ ، مُحَرَّكةً : بَقْلَةٌ ، قاله اللَّيْثُ ، وقالِ الأَزهريُّ : لا أَعْرِفُ اللَّبَسَةَ في البُقُولِ ، ولم أَسْمَعْ بها لغَيْرِ اللَّيْثِ .
ويُقَال : إِنَّ فِيه لَمَلْبَساً ، كمَقْعَدٍ ، أَي مُسْتَمْتَعاً ، وقالَ أَبُو زَيْدٍ : أَي ما بهِ كِبْرٌ ، بكسر الكاف وسكون المُوَحَّدَةِ ، ويقال : كِبَرٌ ، بكسرٍ ففتح .
ومن أَمْثَالِهم : أَعْرضَ ثَوْبُ المَلْبَسِ ، إِذا سَأَلْتَه عن أَمرٍ فلم يُبَيِّنْهُ لك ، ويُرْوَى : ثَوْبُ الملْبسِ ، كمَقْعَدٍ ومِنْبَرٍ ومُفْلِسٍ ، نُقِلَ الثَّلاثَةُ عنِ ابنِ الأَعْرَابيِّ ، وقال : هو مَثَلٌ يُضْرَبُ لِمَن إتَّسَعَتْ قِرْفَتُه . أَي كَثُرَ مَنْ يَتَّهِمُه فيما سَرَقه ، هذا نَصُّ الأَزْهَرِيّ ، ونَصُّ التَّكْمِلة : فيما قال .
ولَبَسَ عليهِ الأَمْرَ يَلْبِسُهُ ، من حَدِّ ضَرَبَ لَبْساً ، بالفَتْحِ ، أَي خَلَطَهُ ، أَي خَلَط بعْضَه ببعْضٍ ، ومنه قولُه تعالَى : ( ولَلَبَسْنَا علَيْهمْ ما يَلْبِسُونَ ) ( 9 ) أَي شَبَّهْنَا عليهِم ، وأَضْلَلْنَاهم كما ضَلُّوا ، وقال ابنُ عرفَةَ في تَفْسير قَولهِ تَعَالى : ( ولاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بالْبَاطِلِ ) ( 10 ) أَي لا تَخْلِطُوه به ، وقوله تعالى : ( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ) ( 11 ) أَي يَخْلِطَ أَمْرَكُم خَلْطَ إضْطِرابٍ لا خَلْطَ إتَّفَاقٍ ( 12 ) .
وقوله جلّ ذِكْرُه ( ولَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ) ( 13 ) أَي لم يَخْلِطُوه بشِرْكٍ ، وفي الحديث : " فَلَبَس عَلَيْهِ صَلاتَه " وفيه أَيْضاً : " مَنْ لَبَسَ علَى نَفْسِه لَبْساً " .
ونَقَل شيخُنَا عن السُّهَيْليِّ في الروْض منَاسبَةَ لَبِسَ الثوْبَ ، كسَمِعَ ، ولَبَسَ الأَمْرَ ، كضَرَبَ ، فقال : لَمّا كانَ لَبَسَ الأَمْرَ معناه خَلَطَه أَو سَتَرهَ ، جاء بوَزْنِه ، ولَمَّا كان لَبِس
هامش
( 1 ) سور البقرة الآية 187 .
( 2 ) سورة الأعراف الآية 189 .
( 3 ) سورة الأعراف الآية 26 .
( 4 ) عن المطبوعة الكويتية وبالأصل لبيسا .
( 5 ) سورة النحل الآية 112 .
( 6 ) سورة الأنبياء الآية 80 .
( 7 ) في التهذيب والتكملة : ليس لفلان لبيس .
( 8 ) على هامش القاموس عن نسخة أخرى : لبساء أي منكرة .
( 9 ) سورة الأنعام الآية 9 .
( 10 ) سورة البقرة الآية 42 .
( 11 ) سورة الأنعام الآية 65 .
( 12 ) عن المطبوعة الكويتية وبالأصل نفاق .
( 13 ) سورة الأنعام الآية 85 .