تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
فقال أَحَدُهُمَا : أَنا فَطَرْتُها ، أَي أَنا ابْتَدَأْتُ حَفْرَهَا . وذَكَرَ أَبو العَبّاسِ أَنَّه سَمِعَ ابنَ الأَعرابيّ يقولُ : أَنا أَوَّل من فَطَرَ هذا ، أَي ابتَدَأَه . والفِطْرُ ، بالكَسْرِ : نَقِيضُ الصَّوْم ، فَطَرَ الصائِمُ يَفْطُر فُطُوراً : أَكَلَ وشَرِب ، كأَفْطَر . وفَطَرْتُه وفَطَّرْتُه ، بالتَشْدِيد ، وأَفْطَرْتُه . قال سيبويه : فَطَّرْتُه فأَفْطَر نادِرٌ . قلتُ : فهو مِثْلُ بَشَّرْتُه فأَبْشَرَ . ورَجُلٌ فِطْرٌ ، بالكسر : للواحِدِ والجَمِيع ، وَصْفٌ بالمَصْدر ، ومُفْطِرٌ من قوم مَفَاطِيرَ ، عن سيبويه ، مِثْلُ مُوسِر ومَيَاسِيرَ . قال أَبو الحَسَنِ : إِنَّمَا ذَكَرْتُ مِثْلَ هذا الجَمْع لأَنَّ حُكْمَ مِثْلِ هذا أَنْ يُجْمَعَ بالوَاو والنُّون في المُذَكّر ، وبالأَلف والتاءِ في المُؤَنَّثِ . والفَطُورُ ، كصَبُور : ما يُفْطَرُ عَلَيْه ، كالفَطُورِيّ ، بياءِ النِّسْبة ، كأَنّه منسوب إِليه . والفَطِيرُ ، كأَمِيرٍ : خلافُ الخَمِير ، وهو العَجِين الذي لم يَخْتَمِرْ ، تقولُ : عِنْدِي خُبْزٌ خَميرٌ وحَيْسٌ فَطِيرٌ ، أَي طَرِيٌّ . وفي حديث مُعَاويَةَ : ماءٌ نَمِيرٌ ، وحَيْسٌ فَطِيرٌ أَي طَرِيّ قريبٌ حَدِيثُ العَمَلِ . وقال اللَّحْيَانيّ : خُبْزٌ فَطِيرٌ ، وخُبْزَةٌ فَطِيرٌ ، كِلاهُمَا بغير هاءٍ ، وكذلك الطِّينُ . وكلُّ ما أُعْجِلَ عن إِدْرَاكِه فَطِيرٌ ، وهكذا قالَهُ اللَّيْثُ أَيضاً : ويُقَالُ : أَطْعَمَه فَطْرَي ، كسَكْرَى ، أَي فَطِيراً ، وهذا خِلافُ ما ذَكَرَهُ ابنُ الأَثِير أَنَّ جَمْعَ الفَطِيرِ فَطْرَى مَقْصُورَة ، ثُمَّ رَأَيْتُ المُصنِّفَ قد أَخَذَ ذلك من عِبَارَة الصاغَانِيّ فحَرَّفَهَ ووَهِمَ فيها ، وذلك أَنَّ نَصَّ الصاغانيّ : وأَطْعِمَةٌ فَطْرَى : من الفَطِير ، كذا هو بِخَطّه مُجَوَّداً مَضْبُوطاً ، جَمْعُ طَعَامٍ ، فظَنَّ المصنِّف أَنَّه فِعْلٌ ماض ، وهُوَ وَهَمٌ كبيرٌ ، فليُحْذَر من ذلك ، ولَوْلا أَنِّي رأَيتُ ابنَ الأَثِير وغَيْرَه قد صَرَّحُوا بأَنَّهُ جَمْعُ فَطِير ، وهو مقصُورٌ ، لَسلَّمْتُ له ما ذَهَب إِليه فتَأَمَّلْ . والفَطِيرُ : الدّاهِيَةُ ، نَقَلَه الصاغانيّ . وفُطَيْرٌ كزُبَيْرِ : تابِعِيّ . وفُطَيْرٌ : فَرضسٌ وَهَبَهُ قَيْسُ بن ضِرارِ للرُّقَادِ بنِ المُنْذِرِ الضَّبِّيّ ، كذا نَقَلَه الصاغاني . وفي التَّكْمِلَة : وقولُهم " الفِطْرَة صاعٌ من بُرٍّ " فمَعْنَى الفِطْرَةِ صَدَقَةُ الفِطْر ، هذا نَصُّ الصاغانيّ بعَيْنِه . وهُنَا للشَّيْخ ابنِ حَجَرٍ المَكِّيّ كلامٌ في شَرْحِ التُّحْفَة ، حيثُ قَال : الفِطْرَة مُوَلَّدَةٌ ، وأَمّا ما وَقَع في القَامُوس من أَنَّهَا عَرَبِيَّةٌ فغَيْرُ صَحِيح . ثم قال : وقد وَقَعَ له مِثْلُ هذا مِنْ خَلْطِ الحَقَائِق الشَّرْعيَّة باللُّغَوِيَّة شَيْءٌ كثيرُ ، وهو غَلَطٌ يجب التَّنْبِيهُ عليه . قلتُ : وقد وَقَعَ مِثْلُ ذلك في شُرُوح الوِقَايَة ، فإِنَّهم صَرَّحُوا بأَنَّهَا مُوَلَّدَة ، بل قِيل : إِنَّهَا مِن لَحْنِ العامَّة . وصَرَّحَ الشِّهَابُ في شِفَاءِ الغَلِيلِ بأَنَّهَا من الدَّخِيل . وإِنّمَا مُرَادُ الصاغانيّ من ذِكْرِه مُسْتَدْرِكاً به على الجوهريّ بيانُ أَنّ قَوْلَ الفُقَهَاءِ الفِطْرَةُ صاعٌ من بُرٍّ على حَذْفِ المُضَافِ ، أَي صَدَقَة الفِطْر ، فحُذِفَ المُضَاف ، وأُقِيمَتِ الهاءُ في المُضَاف إِلَيْه لِتَدُلَّ على ذلك . وجاءَ المُصَنِّف وقَلَّده في ذلك ، وراعَى غايةَ الاخْتِصار مع قَطْعِ النَّظْرِ أَنّها من الحَقَائق الشَّرْعِيَّة أَو اللُّغَوِيَّة ، كما هي عادَتُه في سائرِ الكِتاب ، ادّعاءً للإِحاطَة ، وتَقْلِيداً لِلصّاغانيّ وابنِ الأَثِيرِ فيما أَبْدَيَاهُ من هذِه الأَقوالِ . فَمَنْ عَرَف ذلك لا يَلُومُه على ما يُورِدهُ ، بَلْ يَقْبَلُ عُذْرَه فيه . والشيخُ ابن ُحَجَرٍ رَحِمَه الله تعالَى نَسَبَ أَهلَ اللُّغَةِ قاطِبَةً إِلى الجَهْلِ مُطْلقاً ، وليت شِعْرِي إِذا جَهِلَتْ أَهْلُ اللُّغَة فمَنْ الذي عَلِمَ ؟ وهل الحَقَائق الشَّرْعِيَّة إِلاّ فُرُوعُ الحقائقِ اللُّغَوِيّة ؟ وقد سَبَقَ له مِثْلُ هذا في التَّعْزِيرِ من إِقامَة النَّكير ، وقد تَصَدَّيْنا لِلْجَوابِ عنه هُنالِكَ على التَّيْسِيرِ . واللهُ يَعْفُو عن الجَمِيع ، وهو عَلَى كُلِّ شيْءٍ قدير . والفِطْرَةُ : الخِلْقَة . أَنْشَد ثَعْلَب : هَوَّنْ عَلَيْك فقد نَالَ الغِنَى رَجُلٌ * في فِطْرَةِ الكَلْبِ لا بالدِّينِ والحَسَبِ والفِطْرَةُ : ما فَطَرَ اللهُ عليه الخَلْقَ من المَعْرِفةِ به . وقال أَبو الهَيْثَم : الفِطْرَة : الخِلْقة التي خُلِقَ عليها المَوْلُودُ في بَطْنِ أُمِّه ، وبه فَسَّر قولَه تعالى : ( فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) ( 1 ) . قال : وقولُه صَلَّى الله تعالَى عليه وسَلّم : " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الفِطْرَةِ " يعني الخِلْقَةَ التي فُطِرَ عَلَيْهَا في رَحِمِ أُمِّه من سَعادَة أَو شَقاوَة ، فإِذا وَلَدَه يَهُودِيّان هَوَّدَاه في حُكْمِ الدنيا ، أَو نَصْرانِيان نَصَّرَاه في الحُكْمِ ، أَو مَجُوسِيّان مَجَّسَاه في الحُكمِ ، وكان حُكْمُه حُكْمَ أَبَوَيْه حَتَّى يُعَبِّرَ عنه لِسانُه . فإِنْ مَاتَ قَبْلَ بُلُوغِه مَاتَ على ما سَبَق لَهُ من الفِطْرَة التي فُطِرَ عليها ، فهذِه فِطْرَةُ المُوْلُود . قال : وفِطْرَة ثانِيَة ،
هامش
( 1 ) سورة الروم الآية 30 .
تاج العروس — صفحة 351 | علي شيري / مرتضى الزبيدي