لنا الأحاديث في ذم بعض من وصف بالصحبة كحرقوص بن زهير ،
وقاتل عمار ، والوليد بن عقبة ، والحكم ، ونحوهم ، وتجدهم يذمون سيرة
هؤلاء ، ولا يفهمون من ( عدالة الصحابة ) عدم تجريح أمثال هؤلاء كما
يفعل بعض المعاصرين ، كما لم يردوا الأحاديث الواردة في ذمهم ، ولا
يعدلون كل من وصف بالصحبة فتجد بعضهم يقول عن بسر بن أبي
أرطأة : ( كانت له صحبة ولم تكن له استقامة ) ! ! ، ونجد بعضهم يطلق
على الوليد ( الفاسق ) ، ولهم أقوال كثيرة تتفق مع ما ذكرناه من ذم
بعض من وصف بالصحبة ، أما غلاة المعاصرين فليسوا لا على مذهب
المحدثين ، ولا مذهب الأصوليين ، وليس لهم سلف فيما يعتقدون إلا
بعض غلاة الحنابلة أمثال البربهاري وابن بطة وابن حامد المتأثرين
بنواصب الشام الذين بالغوا في تعريف الصحبة وفضلها ، حتى يحموا
بها بعض الطلقاء ، الذين كان لهم أثر سيئ في الأمة ، ثم قصر الصحبة
على المهاجرين والأنصار لا يؤثر كثيرا في الأحاديث المنقولة إلينا ،
وليس الخلاف في بعض هؤلاء أولى بالضرر على الحديث من الخلاف
في بعض التابعين أو تابعيهم لمن تأمل هذا الأمر ( 152 ) .
ثم قد سبق أن ذكرت عددا لا بأس به من علماء الحديث الذين يذهبون
خلاف ما ذكر المعترض ، ويمكن مراجعة ذلك فيما سبق .
والذي أسماه المعترض ( مما استقر عليه المحدثون ) فيه نظر من أكثر
من وجه :
هامش
( 152 ) بمعنى أن الضرر الذي يلحق الأحاديث عند الخلاف في عدالة الحارث الأعور مثلا أكثر من
الضرر الذي يلحق الأحاديث في الخلف في عدالة رجل مثل بسر بن أبي أرطأة ، فالحارث روى
أحاديث كثيرة وبسر لم يرو إلا حديثين فقط ، فإذا كان الحارث ثقة فات مضعفه حديث كثير وإن كان
الحارث ضعيفا فقد قبل موثقه شرا كثيرا وكذبا على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) . أما الاختلاف في
بسر فأقل من هذا ، فإن فات خير برده فلن يكون كثيرا وإن حصل شر بقبوله فليس شرا كثيرا ، ما
هما إلا حديثان لكن الشر يأتي من اتخاذه قدوة وأسوة أو المبالغة في تبرير أعماله وعدم البراءة
منها . . .