شرح
عليه ، فيكون المراد تنزّهه وتعاليه عن ذكر من يذكر بالمفاخر والمحامد والمحاسن من المخلوقين ، لأنّ ذكره تعالى شرف للذاكرين ، وغايته سعادة الدارين ، وما يترتّب عليه من الفوائد والنتائج أمر محقّق متيقّن لا ريب فيه ، ودائم مستمرّ لا انقطاع ولا زوال له . وذكر غيره إزراء بالذّكر ، وغايته إن أريد به المفاخرة ، فتضييع وحرمان ، وإن أريد به العارفة ( 1 ) والمثوبة ، فأمر مشكوك حتى يقع . فإذا وقع فهو قليل منقطع زائل .
أو يكون المراد ، إن ما يذكر به سبحانه من المحامد والممادح منزّه عن أن يذكر به المخلوقون ، لعدم استحقاقهم له .
كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام في آخر خطبة له : هذا مقام من أفردك بالتوحيد الذي هو لك ، ولم ير مستحقّا لهذه المحامد والممادح غيرك ( 2 ) .
فالذكر على الأوّل مراد به الحاصل بالمصدر ، وعلى الثاني المذكور به .
وإمّا أن يكون المراد : « بذكره تعالى » شرفه وعلَّوه وعظمته ، من قولهم « لفلان ذكر في الناس » أي شرف ونباهة وصيت ، وبهذا المعنى فسّر قوله تعالى : « وإنّه لذكر لك ولقومك » ( 3 ) .
قال الزمخشري : أي إنّ الذي أوحي إليك لشرف لك ولقومك ( 4 ) .
ويقال : فلان مذكور : أي ذو شرف ونباهة وشهرة . ومنه قوله سبحانه .
« والقرآن ذي الذكر » ( 5 ) .
قال في الكشّاف : والذكر : الشرف والشهرة ، من قولك : فلان مذكور ( 6 ) .
فيكون المراد : « بالمذكورين » اولي الشرف والنباهة ، أي تعالى شرفك ، وتنزّهت عظمتك عن شرف أولي الشرف ، لتعاليه تعالى عن صفات المخلوقين ، إذ
هامش
( 1 ) " ألف " : الصارفة .
( 2 ) نهج البلاغة : ص 136 ، الخطب 91 .
( 3 ) سورة الزخرف : الآية 44 .
( 4 ) تفسير الكشاف : ج 4 ص 254 .
( 5 ) سورة ص : الآية 1 .
( 6 ) تفسير الكشاف : ج 4 ص 70 .