شرح
فترمي بنفسها عليه فيأخذها القانص . قال حميد بن ثور الهلالي ، وذكر ظبية وولدها ، ودعاؤه لها لمّا أخذه القانص ، فقال :
رأت مستخيرا فاستزال فؤادها * بمحنته يبدو لها ويغيب
أراد رأت داعيا . فكان معنى استخرت الله : استدعيته إرشادي ( 1 ) . انتهى كلامه .
وهو عجيب ، فإنّ استخارة الوحش - بالمعنى الذي ذكره - استفعال من الخوار - بالضمّ - وهو صوت البقر والغنم والظباء . وهو معتلّ ، واويّ ، لأنّ العين منه واو .
والاستخارة بمعنى الدعاء للإرشاد إلى خير الأمرين معتلّ يأتي ، فكيف يكون هذا من ذاك ؟ ( 2 ) على أنّ الذي نصّ عليه أئمة اللغة كالزمخشريّ والجوهريّ أنّ المنقول من استخارة الوحش ، إنّما هو الاستخارة بمعنى الاستعطاف ، لا بمعنى الدعاء .
قال الزمخشريّ في الأساس : استخار الرجل صاحبه : استعطفه فخار عليه .
وأصله من أن يثغو الغزال والجؤذر إلى أمّه : يستخيرها ، أي يطلب خوارها . ثمّ كثر حتّى استعمل في كلّ استعطاف واسترحام ( 3 ) .
قال الجوهريّ : الاستخارة : الاستعطاف . يقال : هو من الخوار والصوت .
وأصله : أنّ الصائد يأتي ولد الظبية في كناسة فيعرك أذنه فيخور - أي يصيح - يستعطف بذلك أمه كي يصيدها . قال الهذلي :
لعلَّك أمّا أمّ عمرو تبدلت * سواك خليلا شاتمي تستخيرها ( 4 )
انتهى .
وبالجملة فجعل الاستخارة بمعنى طلب الخيرة منقولا من استخارة الوحش إمّا غلط منشأه اشتباه اللفظين عليه ، أو تعسف لا داعي إليه . والله أعلم .
هامش
( 1 ) السرائر : ص 69 .
( 2 ) " الف " ذلك .
( 3 ) أساس البلاغة : ص 177 .
( 4 ) الصحاح : ج 2 ص 651 .