تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
فَلا تَجْعَل حَظِّي مِنْ رَحْمَتِكَ مَا عَجَّلْتَ لِي مِنْ عافِيَتَكَ ، فَأكُونَ قَدْ شَقِيْتَ بِما أحْبَبْتُ ، وَسَعِدَ غَيْري بِما كَرِهْتُ .
شرح
وما : موصولة : أي : ولأجل الذي صرفت عنّي من بلائك ، ويحتمل أن تكون بمعنى على ومن : بيانيّة . والمراد بالبلاء هنا : المكروه ، من بلاه إذا أصابه بمكروه . قال في القاموس : والبلاء يكون منحة ، ويكون محنة ( 1 ) . لمّا كان الحمد سببا للمزيد ، كما قال تعالى : « لَئن شَكَرتُم لأزيدنَّكُم » ( 2 ) ، جعل طلب عدم الاقتصار على المحمود عليه مترتبا على الحمد ، كأنّه قال : إذا حمدتك على حسن قضائك وصرف بلائك ، فلا تجعل نصيبي من رحمتك ما أسرعت بقضائه لي من عافيتك ، التي هي تعجيل قضاء هذا المطلوب ، أو صرف هذا المكروه فحسب ، فإنّ الجعل منبئ عن دوام الملابسة واستمرار الاستقرار . والفاء من قوله : « فأكون » : للسببيّة ، والفعل منصوب ب‍ « أن » المصدريّة المضمرة بعدها ، لكونها مسبوقة بالطلب ، أي : فيتسبّب عن ذلك ، وهو جعل حظَّي من رحمتك مجرّد هذه العافية المعجّلة ، كوني قد شقيت شقاوة أخرويّة ، بسبب ما أحببته من تعجيلها ، لاقتضائه فوات عظيم الأجر والجزاء المسبّب عن الصبر على البلاء ، ويكون قد سعد غيري ممّن لم تجعل حظَّه من رحمتك مجرّد عافيتك المعجّلة سعادة أخرويّة ، بسبب البلاء الذي كرهته أنا وصبر هو عليه ، فنال بذلك عظيم الأجر وجزيل الثواب . والحاصل : أنّه لما كانت المحن في هذه الدار من منح الله سبحانه على عباده المؤمنين ، لما يترتّب عليها من حطَّ الذنوب ورفع الدرجات .
هامش
( 1 ) القاموس المحيط : ج 4 ، ص 305 . ( 2 ) سورة إبراهيم : الآية 7 .