شرح
الخيّرة المتعلَّقة بالأبدان نوعا من التعلَّق ، فتعينها وتمدّها على الخير والسداد وهي الجنّ والشرّيرة منها تتعلَّق بالنفوس الشرّيرة ، وتعاونها على الشرّ والفساد وهي الشياطين .
وقيل : هي نفوس مجرّدة ، تتصرّف بالتعلَّق ، وتدرك بآلة هي كرة الأثير وأوّل به خلقهم من نار .
وقال جمهور الفلاسفة : إن الشيطان عبارة عن الوهم المعارض للعقل ، وجنوده سائر القوى التابعة له في معارضة العقل في اشخاص الكفّار والفاسقين عن أوامر الله سبحانه ، والوهم رئيس القوى البدنيّة ، فهي إذن - معارضتها للعقل ومتابعتها له - جنود إبليس وقبيله . قالوا : والمراد بكونه خلق وقبيله من نار ، أنّ الأرواح الحاملة لهذه القوى أجسام لطيفة تتكوّن عن لطافة الأخلاط ، وهي حارّة جدّا مائلة إلى الإفراط ، والناريّة والهوائيّة عليها أغلب ، وتولَّدها عنهما أسهل ، وهي أحرّ أجزاء البدن ، وكذلك القلب الذي هو منبعها ، فكانت تلك الأرواح كالأبدان لهذه القوى فلذلك نسبوا إلى النار .
الثالثة : قد يسأل وجه الحكمة في خلق الشيطان وتسليطه على آدم وذريّته ، وهي مسألة مهمّة لا بأس بذكر ما حضرنا فيها .
فنقول : نقل الشهرستاني في كتاب الملل والنحل : أنّ أوّل شبهة وقعت في البريّة شبهة إبليس لعنه الله ، مصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النصّ واختياره الهوى في معارضة الأمر ، واستكباره بالمادّة التي خلق منها وهي النار على مادّة آدم وهي الطين ، وانشعبت هذه الشبهة سبع شبهات ، وسرت في أذهان الناس حتّى صارت مذاهب بدعة وضلال ، وتلك الشبهات مسطورة في شرح الأناجيل الأربعة ، ومذكورة في التوراة ومتفرّعة على شكل مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود والامتناع منه ، قال - كما نقل عنه - : إنّي سلَّمت أنّ الباري تعالى إلهي