شرح
قلت : يحتمل أن يريد به أن يرى في منامه ما يتحقّق ( 1 ) به إجابة دعوته ، فإنّ الرؤيا الصالحة مبشّرة .
وقد روي عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله تعالى : « الذين آمنوا وكانوا يتّقون لهم البشرى في الحياة الدّنيا وفي الآخرة » : أنّ البشرى في الدنيا الرؤيا الصالحة ، يراها المؤمن لنفسه أو ترى له ، وفي الآخرة بالجنّة ، وهي ما تبشّرهم الملائكة عند خروجهم من القبور وفي القيامة إلى أن يدخلوا الجنّة يبشّرونهم بها حالا بعد حال ( 2 ) .
وعن أبي الدرداء ، سألت النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عن قول الله تعالى :
« لهم البشرى في الحياة الدّنيا » ، قال : ما سألني أحد قبلك ، هي الرؤيا الصالحة يرها المسلم أو ترى له ( 3 ) .
قال بعض العلماء : وإنّما كانت الرؤيا الصالحة توجب البشارة ، لأنّها دليل صفاء القلب ، واتّصال النفس إلى العالم القدسيّ ، والاطَّلاع على بعض ما هنالك ويحتمل أن يكون مراده أن يوفّقه سبحانه للاستعداد إلى مشاهدة أحواله وسعادته التي يؤول إليها في الآخرة فيراها بعين بصيرته وهو في هذه الدار ، فيتحقّق أنّه سبحانه قد أطلق ربقته وأعتق رقبته وأوجب له أمانه وبلَّغه رضوانه . وعبّر عن هذا المعنى بالتبشير ، لما يقتضيه من السرور الذي لا أسرّ منه ، ومن هنا قالوا : إنّ العارف وإن كان في الدنيا بجسده ، فهو في مشاهدته بعين بصيرته لأحوال الجنّة وسعادتها وأحوال النار وشقاوتها ، كالذين شاهدوا الجنّة بعين جسمهم وتنعّموا فيها ، وكالذين شاهدوا النار وعذّبوا فيها ، وهي مرتبة عين اليقين ، والله أعلم بمطالب أوليائه .
هامش
( 1 ) ( الف ) : ما يحقق به .
( 2 ) تفسير البرهان : ج 2 ص 191 .
( 3 ) الدر المنثور : ج 3 ص 311 .