وإليه أشار أمير المؤمنين : « إنّ مَن عرف نفسه فقد عرف ربّه » « 1 » وقال الصادق عليه السلام حين سئل : ما الدليل على أنّ للعالم صانعاً ؟ :
أكثرُ الأدلَّة في نفسي ؛ لأنّي وجدتها لا تعدو أحدَ أمرين : إمّا أنْ أكون خلقتها وأنا موجود ، وإيجاد الموجود محال ، وإمّا أنْ أكون خلقتها وأنا معدوم ، فكيف يخلق لا شيء ؟ ! فلمّا رأيتهما فاسدين من الجهتين جميعاً ، علمت أنّ لي صانعاً ومدبّراً « 2 » .
صدق وليّ الله .
أقول : ولذلك ترى العلماء يقولون : إنّ العقل مستقلّ بمعرفة المبدأ دون المعاد .
فإنْ قلت : سلَّمنا أنّ الممكن يدلّ على وجود علَّته ، فمن أين جَزَمْتُم بأنّ ذلك الموجود هو الواجب الوجود ؟ لِمَ لا يجوز أنْ يكون علَّتُه وموجِده أمراً ممكناً ؟
قلت : هذه شبهة ، والعقلاء بالنظر إليها على ستّة أقسام :
القسم الأوّل
: مَن لم يخطر هذا بباله ؛ لصفاء خاطره ، وتوقّد ذَكائه ، واستقامة طبعه .
القسم الثاني
: من لم يخطر بباله ؛ لفرط محبته ، وكثرة مؤانسته وإِلْفِه بمطلوبه ؛ إذ ليس كلّ عائق للحركة عائقاً لكلّ متحرّك ، وهذا هو حال أكثر المؤمنين .
هامش
« 1 » « عوالي اللآلي » ج 4 ، ص 102 ، ح 149 .
« 2 » « التوحيد » ص 290 ، باب أنّه عزّ وجلّ لا يعرف إلا به ، ح 10 . ولفظ الحديث فيه : « وجدت نفسي لا تخلو من إحدى جهتين : إمّا أن أكون صنعتها أنا أو صنعها غيري . فإن كنت صنعتها أنا فلا أخلو من أحد معنيين : إمّا أن أكون صنعتها وكانت موجودة ، أو صنعتها وكانت معدومة . فإن كنت صنعتها وكانت موجودة فقد استغنت بوجودها عن صنعتها ، وإن كانت معدومة فإنّك تعلم أنّ المعدوم لا يحدث شيئاً . فقد ثبت المعنى الثالث أنّ لي صانعاً » .