فيحتملُ لمن لم يسبِقْ من غير ردّ ، فلا يدلّ على المتنازَعِ ، ولو حُمِلَ على غير ذلك لزم الاشتراكُ ، وهو خلافُ الأصلِ . قلنا : لمّا تقدّم أنّ الردّ قد يكون عينيّاً ، وقد يكون كفائيّاً ، وقد يكون مستحبّاً ، فاشتراكُ الأمرِ متحقّق إمّا في نفسِ كلّ أمر ، كما هو الظاهرُ من استدلالاتِهِم ، أو في جملةِ الأوامرِ ، ولو حملناه على معنى واحدٍ ارتفع الأمران الآخَرانِ . ثم إنْ قلنا : إنّ السلامَ من كلامِ الآدميّينَ وليس بقرآنٍ ولا دعاء ، فهو مستثنى بالنصّ ، كما استُثنِيَ أصلُ الردّ لاشتراكهما في الإذن من غيرِ تفصيلٍ بكونه واجباً أو غيرَ واجبٍ ، بل لكونه مسلَّماً عليه ، وهو حاصل في الجميعِ ، فارتفاعُ الوجوب حينئذ غيرُ مانعٍ من الجوازِ ، وإن قلنا : إنّهُ قُرآن ، كما هو الحقّ ، فإنّ « سلام عليكم » قد ورد في القرآن ( 1 ) . ولعلَّه السرّ في اختصاصِ الردّ بهذه الصيغةِ في الصلاة وإن جاز في غيرها بغيرِها فلا إشكالَ . ولو قيل : إنّه إذا قَصدْتَهُ ردّ السلامِ خرج عن القرآنِ ، قلنا : خروجه بذلك في موضوعِ المنع لأنّهُ قرآن باعتبارِ نظمه ، وباعتبارِ قصدِ ردّ السلامِ يكون ردّاً ، فإنّ الداعي بالقرآن لا يخرُج بقصدِه الدعاءَ من القرآنِ ، كما لو قال في الصلاة : « رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ولإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإِيمانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا » ( 2 ) فإنّهُ لا يخرُجُ عن القرآنِ وإن قصدَ الدعاء ، وقد اختارَ هذا جماعة من فضلاءِ الأصحابِ ، منهمُ المحقّقُ في المعتبرِ ( 3 ) . وبه يُرجّحُ القولُ بجوازِ الردّ المذكورِ وإن لم تنحسِمْ مادّةُ الشبهةِ أصلًا فإنّ حصولَ أصلِ الرجحانِ هو
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج ) — صفحة 668
مساهمون: الشهيد الثاني
ص٦٦٨
هامش
( 1 ) الأنعام ( 6 ) : 54 الأعراف ( 7 ) : 46 الرعد ( 13 ) : 24 النحل ( 16 ) : 32 القصص ( 28 ) : 55 الزمر ( 39 ) : 73 .
( 2 ) الحشر ( 59 ) : 10 .
( 3 ) « المعتبر » ج 2 ، ص 264 .