الدِّلاء اليسيرةَ أعمّ منها تَصْدُق على الثلاثِ فَصاعِداً بل هي على الثلاث أدلّ منها على العَشَرِ لما عرفتَ مِن أنّ الفرقَ بين جَمْعِ الكَثْرَةِ والقِلَّةِ في مثل ذلك غير معتبرٍ ، وقد صرّحَ به الأصحاب وغيرهم في كثيرٍ من أبواب الفقه كالأقاريرِ وغيرها ( 1 ) ، وعلى تقدير تسليم العمل بمدلولها النحوي فهي جمعُ كَثْرَةٍ أقلَّه أحدَ عَشَرَ ، فحمله على العَشْرِ غيرُ صحيحٍ ، وقد تقدّمَ في ذلك مُكاتَبَةُ ابنُ بزيعٍ الصحيحةُ التي استُدِلّ بها على النجاسَةِ ، وهي المتضمنَةُ للسؤال عن البئر تَقْطُرُ فيها قطراتُ بولٍ أو دمٍ أو يَسْقُطُ فيها شيء مِن عَذِرَةٍ ، ما الذي يُطهِّرها ؟ فوقّعَ عليه السلام : « يُنْزَحُ منها دِلاء » ( 2 ) . ومن العجيبِ الغريبِ هنا ما اتّفق لجَماعةٍ من المحقّقينَ في كيفيةِ الاستدلالِ ، قال الشيخ في التهذيب بعد نقله الحديثَ : وجهُ الاستدلال من هذا الخبر على العَشرِ أنّه قال : « يُنْزَحُ منها دِلاء » وأكثرُ عددٍ يُضاف إلى هذا الجمعِ عَشَرة ، فيجب أنْ نأخذَ به ونصيرَ إليه إذ لا دليلَ على ما دونه . انتهى ( 3 ) . وهذا الكلامُ يُعْطي أنّه جَعَلَه جَمْعَ قِلَّةٍ ، وحَمَلَه على أكثَرِه ، وكلاهما ليس بصحيحٍ ، أمّا الأوّل فلأنّ جَمْعَ القِلَّةِ منحصر في أوزانِ أربعةٍ مشهورة ، أو خمسةٍ عند سيبويه ( 4 ) ، وهذا ليس منها فهو جَمْعُ كَثْرَةٍ بغير إشكالٍ . وأمّا الثاني
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج ) — صفحة 104
مساهمون: الشهيد الثاني
ص١٠٤
هامش
( 1 ) مثل الوصيّةِ ، والعتق ، وانظر « مختلف الشيعة » ج 1 ، ص 36 ، المسألة 15 .
( 2 ) « الكافي » ج 3 ، ص 5 ، باب البئر وما يقع فيها ، ح 1 « تهذيب الأحكام » ج 1 ، ص 244 - 245 ، ح 705 ، باب تطهير المياه من النجاسات ، ح 36 « الاستبصار » ج 1 ، ص 44 ، ح 124 ، باب البئر يقع فيها الدم القليل والكثير ، ح 2 .
( 3 ) « تهذيب الأحكام » ج 1 ، ص 245 .
( 4 ) قال العلامة في « منتهى المطلب » ج 1 ، ص 81 : « ونصّ سيبويه على أنّ جمع التصحيح للقلَّة » . وللمزيد راجع « شرح الكافية » ج 2 ص 191 .