خاتمة
وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْران ولَعَمْري يعجزُ بنانُ البيان وتبيان البيان عن
تشريح ما فيه من الطغيان ، وناهيك في شرح حاله آيات القرآن ، وكأنّه نارٌ ، وكلُّ
شعرة من شعارها شَرارةٌ من النار ، وكلّ نفس من أنفاسه على شعار الشعار ، ولو لم
يكن في هذه النشأة إلاّ المعاشرة مع شرّ الأشرار لكفى في البلاء والابتلاء بربّ
البراري والبحار ، كيف وقد قال الله سبحانه : ( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْض فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ) ( 1 )
والفتنة المجعولة من جانب الله سبحانه غير محتاجة إلى شرح الحال .
ولا يتفطّن بما ذكرناه في الميزان هذا الحيوان إلاّ مَنْ شرب كأساً كاملا من
المعرفة والفرقان وبالغ في التأمّل في ميدان الميزان صديقه عدوّ الدوران ، فكيف
ظنّك بعدوّ البنيان ، إنّ الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلاّ الذين آمنوا وعملوا
الصالحات وقليلٌ مّا هم ، إذا نظرت أنّ حالَه مع الله سبحانه بحيث إذا مسّه الضُرّ
يدعوه بجنبه أو قائماً أو قاعداً ، فلمّا كشف عنه ضرّه مرّ كأن لم يدع الضرّ مسّه
وإذا مسّه الضرّ في البحر ضلّ مَنْ يدعوه إلاّ إيّاه ، فلمّا نجّاه إلى البرّ أعرض ،
لصرت مأيوساً من حُبّه ، وليس بروز الحبّ منه إلاّ من جانب الله سبحانه من باب
فوق المعتاد في الأيّام ، كجَعْل النار من باب البرد والسلام .
الظلم من شيم الرجال وإن تجد * ذا عفّة فلعلّة لا يظلم
لو خبّرتهم جوزاء خبري * لما طلعت مخافة أن تكادا
هُم الذباب تحت الثياب فلا * تكن على أحد منهم بمعتمد
لا تركننّ إلى قوم تعلمهم * فكلّهم مُبغض في زيّ أحباب
وكيف يسوغ توقّع الحبّ منه ! وهو من باب البلاء والابتلاء كما سمعت ، بل
هامش
1 . الفرقان ( 25 ) : 20 .