ولعمري لقد زاد في ذكر محبوبه على عنترة وغيره لأنّ فعله صدّق دعواه . وحكى الشيخ البهائي رحمه الله في حاشيته على تفسير البيضاوي عن بعض العارفين : أنّه كان في جواره رجل يهوى جارية له فمرضت ، [ فبينما ] ( 1 ) هو ذات يوم يصنع لها طعاماً إذ سقطت المغرفة من يده في القدر ، وهو في أقوى غليانه ، فأخذ يحرّك الطعام بيده حتى تساقط لحم أصابعه ولكنه لا يشعر بذلك . ويكفي في ذلك ما حكاه الله في القائلين في محكم الذكر المبين عن النساء اللَّواتي أدهشهنّ جمال يوسف الصديق ، حيث قال : * ( فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ) * ( 2 ) ، الآية ، فإنَّ فيه بيان الحقّ الحقيق ، ألا ترى أنّهنّ لمّا غلب على قلوبهنّ جمال بشر مثلهنّ أفضى بهنّ الحال إلى فقد شعورهنّ حتى قطَّعن بالسكاكين أيديهنّ . فإذا كان هذا حال العاشقين لأمثالهم من المخلوقين فما ظنّك بالسالكين إلى الله والراغبين عمّن سواه والتامّين في محبّة الله تعالى ، خصوصاً الواصلين لرتبة الفناء ، والذائقين من ثمار المحبّة أفضل الجَنى ، القاطنين في رياض القدس ، والقاطفين من حدائق الأنس ، والخالعين للنّفس . ولا شكّ أنّه عليه السلام فاز من تلك المراتب بأعلاها ، وحاز من تلك الرغائب أغلاها ، ولَبِسَ منْ تلك الحلل أحلاها وأضفاها ، ونهل من تلك الموارد أهناها وأصفاها ، بل لعمري أنّه العنوان لتلكَ الرقوم والأصل لتلك الرسوم ، والطود لذلك الطور والكتاب المسطور والرقّ المنشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور . ولهذا ورد ( 3 ) أنّه إذا أُريد نزع السهام منه عليه أفضل السلام انْتُظِر به الشروع في عبادة الملك العلَّام لعدم إحساسه حينئذٍ بتلك الآلام . فحقّ له في أنْ يجعل تلك المشاق أهون من البعد عن حضرة الخلَّاق والنهل من كأس قربه العذب المذاق ،
الرسائل الأحمدية — صفحة 344
مساهمون: الشيخ أحمد آل طعان البحراني القطيفي
ص٣٤٤
هامش
( 1 ) سقط في أصل المخطوط ، وما أثبتناه للسياق .
( 2 ) يوسف : 31 .
( 3 ) إرشاد القلوب : 217 ، كشف اليقين : 141 .