فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ، وغاية لملقى رحالهم تهوي إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار سحيقة ومهاوي فجاج عميقة وجزائر بحار منقطعة حتى يهزوا مناكبهم ذللا يهللون لله حوله ويرملون على أقدامهم شعثا غبرا له قد نبذوا السراويل وراء ظهورهم وشوهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم ابتلاء عظيما وامتحانا شديدا واختبارا مبينا وتمحيصا بليغا جعله الله سببا لرحمته ووصلة إلى جنته .
( ولو أراد ) سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام بين جنات وأنهار وسهل وقرار جم الأشجار داني الثمار ملتف البنى متصل القرى بين برة سمراء وروضة خضراء ، وأرياف محدقة وعراض مغدقة ، وزروع ناضرة ، وطرق عامرة ( لكان ) قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء و ( ولو كان ) الأساس المحمول عليها والأحجار المرفوع بها من زمردة خضراء وياقوتة حمراء ونور وضياء ( لخفف ) ذلك مصارعة الشك في الصدور ، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ، ولنفي معتلج الريب من الناس ولكن الله سبحانه يختبر عباده بأنواع الشدائد ويتعبدهم بألوان المجاهد ويبتليهم بضروب المكاره ، إخراجا للتكبر من قلوبهم ، وإسكانا للتذلل في نفوسهم وليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله وأسبابا ذللا لعفوه .
فالله الله في عاجل البغي وآجل وخامة الظلم وسوء عاقبة الكبر ، فإنها مصيدة إبليس العظمى ومكيدته الكبرى التي تساور قلوب الرجال مساورة السموم القاتلة فما تكدي أبدا ولا تشوي أحدا لا عالما لعلمه ، ولا مقلا في طمره ، وعن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين بالصلوات ، والزكوات ، ومجاهدة الصيام في الأيام المفروضات تسكينا لأطرافهم وتخشيعا لأبصارهم وتذليلا لنفوسهم ، وتخفيضا لقلوبهم وإذهابا للخيلاء عنهم ، لما في ذلك من تعفير عتائق الوجوه بالتراب تواضعا والتصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغرا ولحوق البطون بالمتون من الصيام تذللا ، مع ما في الزكاة من صرف ثمرات الأرض وغير ذلك إلى أهل المسكنة والفقر - انظروا إلى ما هذه الأعمال
روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه — صفحة 156
مساهمون: محمد تقي المجلسي ( الأول )
ص١٥٦