فاطمة بضعة مني ، فمن أغضبها أغضبني ( 1 ) .
إنما فاطمة بضعة مني ، يؤذيني ما آذاها ( 2 ) .
وتكبر فاطمة ( ع ) وتشب ، ويشب معها حب أبيها لها ، ويزداد حنانه عليها ، وتبادله
فاطمة هذا الحب ، وتملأ قلبه بالعطف والرعاية فيسميها أم أبيها ( 3 ) ،
وقد عايشت وشهدت - وهي لما تزال صبية - محنة أبيها وأذى قريش واستهزاءهم به ،
فساهمت هذه المواقف الصعبة في صنع شخصيتها ، وعلمتها كيف تواجه الحياة بجلادة ،
وكيف تنتصر على المحن التي تنتظرها ، فلقد كانت هذه الشدائد تمر على الزهراء ( ع )
بمثابة تأهيل نفسي : لتستقبل وتتهيأ لما ينتظرها من عزائم الأمور . وبعد الهجرة
المباركة من مكة إلى يثرب تحل فاطمة بدار هجرتها ، وتنضم إلى بيت أبيها المتواضع ،
فتنعم بعنايته وحبه ورعايته التي لم يحظ أحد من الناس بها ، وحتى أزواجه اللاتي
جئن بعد خديجة ، سواها .
عن أم سلمة أنها قالت : تزوجني رسول الله ( ص ) وفوض أمر ابنته إلي ، فكنت أؤدبها ،
وكانت والله أأدب مني ، وأعرف بالأشياء كلها ( 4 ) .
ولما كانت فاطمة ( س ) ذات الشرف والمجد الرفيع تعيش في كنف أبيها ، فقد اتجهت
الأنظار إليها ، وكل يحدث نفسه بأن يحظى بالاقتران بها ، لينال شرف الانتساب إلى
أشرف خلق الله ، فهي أعظم امرأة في شرفها ودينها ومكانتها عند بارئها .
وحين اعتذر رسول الله ] ص [ عن تزويج فاطمة لأبي بكر ولعمر : ذهبا إلى علي ( ع ) وهو
يسقي في بستان نخل فقالا : قد عرفنا قرابتك من رسول الله ، وقدمك في الإسلام ، فلو
أتيت إلى رسول الله ( ص ) فخطبت إليه فاطمة : لزادك الله فضلا إلى فضلك ، وشرفا إلى
شرفك ، فإنا نرجو أن يكون الله ورسوله إنما يحبسانها عليك ، فانطلق وأقبل إلى
النبي ( ص ) ، وكان في منزل أم سلمة فسلم عليه فرد عليه السلام ، وجلس بين يديه ، ينظر
إلى الأرض ، فقال له النبي ( ص ) : أتيت لحاجة ؟ قال : نعم أتيتك خاطبا ابنتك فاطمة ، فهل
أنت مزوجي يا رسول الله ؟ قالت أم سلمة : فرأيت وجه رسول الله يتهلل فرحا
وسرورا ، ثم يبتسم في وجه علي ، ودخل على فاطمة فقال لها : إن علي بن أبي طالب قد عرفت
قرابته ، وفضله وإسلامه وإني قد سألت ربي أن يزوجك خير خلقه ، وأحبهم إليه ،
وقد ذكر من أمرك شيئا ، فما ترين ؟ فسكتت ، فخرج رسول الله ( ص ) وهو يقول : الله أكبر ،
سكوتها إقرارها ، فقال : يا علي هل معك شئ أزوجك به ؟ قال : سيفي ودرعي وناضحي ،
فقال : أما سيفك فلا غنى بك عنه ، تجاهد به في سبيل الله ، وتقاتل به أعداء الله
، وناضحك تنضح به على نخلك وأهلك ،
هامش
1 - البخاري ج 2 ص 185 ، ومسند أحمد ج 4 ص 332 ، والإصابة لابن حجر ج 4 ص 378 ،
وغيرها .
2 - سنن الترمذي ج 5 ص 699 ، وفضائل الخمسة للفيروز آبادي ج 3 ص 185 ، وغيرهما .
3 - أسد الغابة لابن الأثير ج 5 ص 520 ، والاستيعاب لابن عبد البر ج 4 ص 380 .
4 - راجع دلائل الإمامة باسناده عن ابن عباس ، وبحار النوار للمجلسي ج 43 ص 10 .