هذه الوشائج والرابطة الجسدية والروحية والأخلاقية بين خير البشرية وابنته فاطمة
فتقول : .
ما رأيت أحدا أشبه سمتا ود وهديا برسول الله ( ص ) في قيامها وقعودها من فاطمة بنت
رسول الله ( ص ) ، وقالت : وكانت إذا دخلت على النبي ( ص ) : قام إليها فقبلها وأجلسها
في مجلسه ، وكان النبي ( ص ) إذا دخل عليها ، قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في
مجلسها ( 1 ) ، وقالت عائشة : ما رأيت أحدا كان أشبه كلاما وحديثا من فاطمة برسول
الله ( ص ) ( 2 ) .
حياتها : .
ولدت فاطمة ودرجت في بيت النبوة ، وترعرت في ظلال الوحي ، ورضعت مع لبن خديجة ،
حب الايمان ومكارم الأخلاق ، وحنان الأب الأكرم الرسول الأعظم ( ص ) ، فقد عاشت في
جو روحي وسمو العائلة القدسي ، وشاء الله تعالى أن تبدأ فاطمة طفولتها الطاهرة
في مرحلة من أشد مراحل الدعوة الاسلامية ضراوة ومحنة ، وأكثرها قسوة وأذى لأمها
وأبيها ، فقد ولدت في أوج الصراع بين الاسلام والجاهلية المقيتة ، وفتحت عينيها في
ضراوة الجهاد بين الطليعة المؤمنة ، وبطون قريش الوثنية ، وهاهي قريش تفرض المقاطعة
والحصار على رسول الله ( ص ) وأعمامه وسائر بني هاشم ، والثلة المؤمنة من الدعاة
وطلائع الجهاد : فيدخل الرسول ( ص ) شعب أبي طالب ، وتدخل معه رفيقة حياته وشريكته
في جهاده ، زوجته المجاهدة ، وتدخل معهما فاطمة ، ومعهم الطليعة المسلمة ، فتحاصرهم
قريش ثلاث سنين ، وبذا عايشت الزهراء الحصار ، وذاقت في طفولتها مرارة الجهاد وشظف
العيش .
وتمر سنون الحصار صعبة ثقيلة ، ويخرج رسول الله ومن معه من الحصار ، وقد كتب الله
تعالى لهم النصر والغلبة ، وتخرج أم المؤمنين خديجة الكبرى ، وقد أثقلتها السنون ،
وأرهقها عناء الحصار والحرمان ، وقد بلغت الخامسة والستين من عمرها الشريف ،
وشاء الله أن يختارها لجواره : فتوفيت في ذلك العام الذي خرج فيه المسلمون من الحصار
، وكان العام العاشر من البعثة الشريفة ، كما وتوفي في العام ذاته حامي الدعوة
الاسلامية وناصرها أبو طالب ( ع ) ، عم الرسول ( ص ) ، فكان هذا العام حقا عام فراق
الأحبة ، فسمي بعام الحزن ، إذ ليس الرسول ( ص ) وحده الذي رزئ : بل وفاطمة الصبية
الصغيرة التي لم ترتو بعد من حنان الأمومة وعطفها ، فقد شعرت بغمامة الحزن واليتم
والفراق قد خيمت على حياتها .
ويحس الرسول الأكرم ( ص ) بوطأة الحزن على نفس فاطمة ( ع ) ، فلقد أحبها ( ص ) وأحبته ،
وحنا عليها ، وحنت عليه ، فلم يكن أحد أحب إلى قلبه ولا انسان أقرب إلى نفسه من
فلذة كبده فاطمة ( ع ) ، فكان صلوات الله عليه وآله وسلم يؤكد على محبته واحترامه
لفاطمة ، وعظيم قدرها ، ليعرف المسلمون مقامها ومكانة الأئمة الأطهار من ذريتها ،
وها هو رسول الله ( ص ) يعرف فاطمة ، ويؤكد على عدم إغضابها :
هامش
1 - فضائل الخمسة للفيروز آبادي ج 3 ص 157 ، ومستدرك الصحيحين ج 4 ص 272 .
2 - المستدرك على الصحيحين للحاكم ج 3 ص 154 ، وكشف الغمة للإربلي ج 2 ص 79 .