لتحاشي فتنة الجمل ، فلم يأل جهدا في بذل النصح للخارجين عليه ، وتحميلهم مغبة
وعواقب الحرب ، فقد أرسل للناكثين رسولا يدعوهم للصلح ورأب الصدع .
كما التقى ( ع ) بالزبير وذكره بأمور جرت لهما في عهد رسول الله ( ص ) ، منها قوله :
ما حملك على ما صنعت يا زبير ؟ قال : حملني على ذلك الطلب بدم عثمان . فقال
الإمام ( ع ) : إن أنصفت من نفسك أنت وأصحابك قتلتموه ، ولكني أنشدك الله يا زبير ،
أما تذكر ، قال لك رسول الله ( ص ) : يا زبير أتحب عليا ؟ فقلت : وما يمنعني من
حبه وهو ابن خالي ؟ فقال لك ( ص ) : أما أنك ستخرج عليه وأنت ظالم له ؟ فقال
الزبير : اللهم بلى قد كان ذلك . . . اللهم بلى ، ولكني قد نسيت ذلك ، وبعد أن
ذكرتنيه لأنصرفن ! ( 1 ) .
الإمام وفتنة أهل الشام .
على الرغم من الهزيمة الساحقة التي مني بها الناكثون لبيعة أمير المؤمنين ( ع ) في
البصرة ، فقد أطل قرن جديد للفتنة في بلاد الشام ، قاده معاوية ضد الخليفة الشرعي
والإمام ( ع ) ، وحقا يقال : ما تجرأ معاوية على حماقاته هذه إلا حينما رأى عائشة
والزبير وطلحة وقد أحدثوا وتسببوا في مقتل الآلاف المؤلفة من النفوس المسلمة .
بدأ الإمام ببذل مساعيه لإصلاح الموقف بالوسائل السلمية ، فأرسل وفدا ثلاثيا إلى
معاوية يدعوه إلى تقوى الله ، والحفاظ على وحدة الصف ، والدخول في إجماع الأمة ( 2 ) ،
فما كان من معاوية إلا أن قال : انصرفوا عني فليس عندي إلا السيف ( 3 ) ، ولما لاحت
تباشير النصر لمعسكر الإمام ( ع ) ، وأوشكت القوى الباغية على الإنهزام : دبروا خدعة
رفع المصاحف على رؤوس الرماع والسيوف ، مما نجم عن تلك الخطة الماكرة تغير جوهري
في الموقف العام ، وكان لرفع المصاحف من قبل معسكر معاوية صدى عميق في معسكر الإمام
( ع ) : إذ سرعان ما سارت كثرة كاثرة من جيشه مطالبة بإيقاف القتال ، فكثر اللغط بين
الصفوف وآثر الآلاف ترك الحرب .
ومع أن الإمام تصدى لكشف خلفيات رفع المصاحف ، واستعمل كل وسائله الإقناعية في
البرهنة على كونها خدعة ، يراد بها عرقلة تحقيق النصر الذي بات وشيكا لجيش الإمام
( ع ) ، إلا أن المطالبين بإيقاف القتال لم يستجيبوا لنداءاته المتكررة في هذا
المضمار ، ولعل بعضهم استعمل لغة التهديد للإمام ( ع ) ( 4 ) ، ثم تلى ذلك الفصل الثاني
من المأساة ، فاختارت
هامش
1 - الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 79 ، وتذكرة الخواص لسبط بن الجوزي ص 77 .
2 - الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 87 .
3 - المصدر نفسه .
4 - تذكرة الخواص لسبط بن الجوزي ص 96 .