والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) ( 1 ) .
وبالنظر إلى أن البيت الأموي لم يألف مهادنة أهل بيت الرسالة ( ع ) قط ، فإن ابن
عبد العزيز كان يواجه الضغط من بنى أمية بسبب سياسته الانفتاحية عليهم ، فقد ورد عن
الإمام الصادق ( ع ) عن أبيه قوله : .
لما ولى عمر بن عبد العزيز أعطانا عطايا عظيمة ، فدخل عليه أخوه فقال له : ان بنى
أمية لا ترضى منك بأن تفضل بنى فاطمة عليهم ، فقال عمر : أفضلهم لأني سمعت ، حتى لا
أبالي ان لا اسمع ان رسول الله ( ص ) يقول : انما فاطمة شجنة ( 2 ) منى ، يسرني ما أسرها
ويسوؤني ما أساءها ، فأنا أبتغي سرور رسول الله ( ص ) وأتقى مساءته ( 3 ) .
على أن زعامة ابن عبد العزيز لم تدم أكثر من سنتين وخمسة أشهر ، فتولى الحكم بعده
يزيد بن عبد الملك ، المشهور تاريخيا بلهوه وخلاعته وغزله الماجن . وإذا كان انشغال
الأخير بأعمال الصبيانية ومجونه ( 64 ) ، لم يعطه فرصة التصدي لمسيرة الاسلام
التاريخية التي يقودها الإمام الباقر ( ع ) ، فان تولى هشام بن عبد الملك لقيادة السياسة
المنحرفة ، قد خلق انعطافا تاريخيا لغير صالح الحركة الاسلامية ، فالحاكم المذكور كان
خشن الطبع ، شديد البخل فظا ، ناقما على المسلمين من غير العرب ، فضاعف من حجم الضرائب
المالية عليهم ( 4 ) ، وأعاد أيام يزيد والحجاج الدموية ، فتصدى له أهل البيت ( ع ) من
خلال انتفاضة الشهيد زيد بن علي ( ع ) ، التي كانت صدى لثورة الحسين ( ع ) وامتدادا لها ،
فاستشهد هو وأصحابه ، وأمر الطاغية هشام بصلب جثته ، ومن ثم حرقها ( 5 ) وذر رمادها
في نهر الفرات ! ! ! .
على أن الطغيان الأموي لم يكفه قتل زيد وأصحابه البررة ، وانما اتجه نحو ضرب
المواقع الأساسية للحركة الاسلامية التي يمثلها الإمام الباقر ( ع ) وتلامذته .
فقد أصدر هشام الحاكم الأموي قرارا يقضى بقتل جابر بن يزيد الجعفي ، أبرز تلامذة
الإمام الباقر ( ع ) ، غير أن الامام قد أفشل مخطط القوم بالوسائل المتاحة لمنصب
الإمامة الشرعية عادة ، إذ أمر تلميذه بالتظاهر بالجنون ، كطريق وحيد لضمان نجاته من
القتل ( 6 ) .
وبمقدورنا أن ندرك حجم الظلم الذي كان يصب على أتباع الرسالة الإلهية في ذلك العصر
الكالح ، حتى يضطر الرجل منهم - بالرغم من فضله وعلمه - إلى التظاهر بالجنون ، وما
ينجم عنه من إهانة الصبيان ، أو لعبه معهم ، كل ذلك درءا للقتل عن
هامش
1 - د . حسن إبراهيم حسن / تاريخ الاسلام / ج 1 / ص 330 .
* سجنة : الغصن المشتبك ، والشعبة من كل شئ .
3 - المجلسي / البحار / ج 46 / ص 320 نقلا عن قرب الإسناد .
4 - د . حسن إبراهيم حسن / تاريخ الاسلام / ج 1 / ( هشام بن عبد الملك ) .
5 - د . حسن إبراهيم حسن / تاريخ الاسلام / ج 1 / ( هشام بن عبد الملك ) .
6 - ابن شهرآشوب / المناقب / ج 4 / ص 191 .