شهرتها بما أظهرت يوم كربلاء وبعده من حجة وقوة وجرأة وبلاغة ، حتى ضرب بها
المثل ، وشهد لها المؤرخون والكتاب .
وأخيرا قال العلامة السيد جعفر آل بحر العلوم في تحفة العالم المطبوع بالنجف : زينب
الكبرى زوجة عبد الله بن جعفر ، تكنى أم الحسن ، ويكفي في جلالة قدرها ونبالة شأنها
ما ورد في بعض الأخبار من أنها دخلت على الحسين ( ع ) ، وكان يقرأ القرآن ، فوضع القرآن
على الأرض وقام لها إجلالا .
خطبتها ( ع ) في أهل الكوفة .
تواترت الروايات عن العلماء وأرباب الحديث بأسانيدهم عن حذلم بن كثير قال : قدمت
الكوفة في المحرم سنة إحدى وستين عند منصرف علي بن الحسين عليهما السلام من
كربلاء ، ومعهم الأجناد يحيطون بهم ، وقد خرج الناس للنظر إليهم ، فلما أقبل بهم على
الجمال بغير وطاء ، وجعلن نساء الكوفة يبكين وينشدن ، فسمعت علي بن الحسين
عليهما السلام يقول بصوت ضئيل : - وقد نهكته العلة ، وفي عنقه الجامعة ، ويده
مغلولة إلى عنقه - : إن هؤلاء النسوة يبكين ، فمن قتلنا ؟ ! .
قال : ورأيت زينب بنت علي عليه السلام ولم أر خفرة أنطق منها ، كأنها تفرغ عن لسان
أمير المؤمنين عليه السلام ، قال : وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا ، فارتدت الأنفاس
وسكنت الأصوات .
فقالت : الحمد لله ، والصلاة على محمد وآله الطيبين الأخيار ، أما بعد يا أهل الكوفة ،
يا أهل الختل ( 1 ) والغدر ، أتبكون ؟ ! فلا رقأت الدمعة ، ولا هدأت الرنة ، إنما مثلكم
كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ( 2 ) ، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ( 3 ) ، ألا وهل
فيكم إلا الصلف ( 4 ) النطف ( 5 ) ، والكذب الشنف ( 6 ) ، وملق الإماء ، وغمز الأعداء ؟ ! أو
كمرعى على دمنة ( 7 ) ، أو كفضة على ملحودة ، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله
عليكم وفي العذاب أنتم خالدون ، أتبكون وتنتحبون ؟ ! إي والله فابكوا كثيرا واضحكوا
قليلا ، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا ، وأنى ترحضون قتل
سليل خاتم النبوة ، ومعدن الرسالة ، وسيد شباب أهل الجنة ، وملاذ خيرتكم ، ومفزع
نازلتكم ، ومنار حجتكم ، ومدره سنتكم ؟ ألا ساء ما تزرون ، وبعدا لكم وسحقا ، فلقد
خاب السعي ، وتبت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وبؤتم بغضب من الله ، وضربت عليكم الذلة
والمسكنة ، ويلكم يا أهل الكوفة ، أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم ؟ وأي كريمة له
أبرزتم ؟ وأي دم له سفكتم ؟
هامش
1 - الختل بالتحريك : الغدر والخديعة ، أو أقبح الغدر .
2 - أي : لا تكونوا كالتي غزلت ثم نقضت غزلها ، يقال : كانت امرأة حمقاء تغزل مع
جواريها إلى انتصاف النهار ، ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن ، ولا يزال ذلك دأبها .
3 - أي : خيانة ومكرا .
4 - الصلف : الادعاء تكبرا .
5 - النطف : التلطخ بالعيب .
6 - الشنف بالتحريك : البغض والتنكر .
7 - الدمنة : ما تدمنه الإبل والغنم بأبوالها وأبعارها .