أهل الشام ( 1 ) .
ولا ريب أن هذه البيعة وقعت بعد أن أخرج عبيد الله بن زياد المختار من السجن ، بعد
شهادة الإمام الحسين ( ع ) ، حيث ذهب المختار إلى مكة وهناك بايع لعبد الله بن الزبير .
فلابد من علاج هذه النقطة ، إذ لو كان مواليا لأهل البيت ( ع ) ، كيف يبايع عبد الله بن
الزبير المعروف بمواقفه المعادية لأهل البيت ؟ .
وهنا توجد عدة تفسيرات لهذه البيعة وهي : .
1 - إنكار وجود مثل هذه البيعة ، حيث يستبعد أن يبايع المختار مع وجود الإمام السجاد
( ع ) في المدينة .
2 - إن البيعة التي أعطاها المختار لعبد الله بن الزبير ، توفر له فرصة لتحقيق أهدافه
في الانتقام من بني أمية ، وقتلة الحسين ( ع ) ، حيث أن هذا الهدف قد ملك عليه شغاف
قلبه ، ولهذا ينقل عنه أنه كان يقاتل إلى جانب عبد الله بن الزبير الجيش الأموي ،
الذي بعثه يزيد بن معاوية لحصار مكة والقضاء على ابن الزبير ، بقيادة الحصين بن
نمير ، بضراوة بالغة ونشاط ملحوظ ( 2 ) .
وكان من ضمن الشروط التي وضعها المختار للبيعة : أن لا يمضي ابن الزبير أمرا من
دون أن يعرضه على المختار ، وأن يستعمله في أفضل أعماله لو ظهر ، وهذه الشروط تتيح
للمختار صلاحيات كبيرة يستطيع أن يتحرك من خلالها ، لتحقيق أهدافه التي تختلف عن
أهداف ابن الزبير .
ويبدو أن ابن الزبير قد أدرك غرض المختار ، ولذلك رفض أن يستعمله في شئ رغم ظهوره
النسبي ، واتساع سلطانه في العالم الاسلامي ، مما دفع بالمختار إلى ترك المدينة
والتوجه نحو الكوفة ، بهدف قيادة الحركة الشيعية التي برزت فيها ( 3 ) .
3 - إن هذه البيعة كانت بحكم الأمر المفروض عليه ، حيث أن سلطان ابن الزبير اتسع ،
وقد فرض عليه أن يعيش تحت هذا السلطان ، وهو ليس من القوة بحيث يرفض البيعة لابن
الزبير ، فهي بيعة مفروضة عليه ولم يكن مقتنعا بها ، ولهذا نجده ينقضها في أقرب
فرصة سنحت له ، وهذا اللون من المبايعة قد حصل من كبار الشخصيات المعروفة ، كالزبير
بن العوام الذي نقض بيعته للإمام علي بن أبي طالب ( ع ) ، فليس فيه حرج على المختار .
4 - إن المختار بايع ابن الزبير بيعة مشروطة ، وهي كما ينقلها ابن الأثير في
تاريخه : .
فلو وفى عبد الله بن الزبير بشروط هذه البيعة ، فهذا معناه أن المختار يحقق أهدافه
السياسية ، إلا أن ابن الزبير كان يعلم بحقيقة نوايا المختار ومذهبه السياسي ،
ولذلك لم يطمئن إلى جانبه ، ويقول عن المختار حين طلب منه مبلغا من المال : .
إلى متى أماكر كذاب ثقيف ويماكرني ، وكتب إليه جوابا على طلبه : والله ولا
درهم ( 4 ) .
والواقع ، أن العلاقة بين المختار وبين ابن الزبير كانت علاقة حذرة ، يسعى كل واحد
منهما
هامش
1 - تاريخ الكامل ج 4 ص 247 .
2 - الكامل في التاريخ ج 4 ص 170 .
3 - المصدر نفسه .
4 - الكامل في التاريخ ج 4 ص 24 .