غلبت روح القبلي على كل شئ ، ومن هنا غلب على الحياة فيها ] الكوفة [ طابع
الجاهلية ( 1 ) .
وعلى هذا فالكوفة ] كانت [ تتصف بطابع الخلافات ، لضعف الروابط بين أهلها ، واختلاف
العناصر والقوميات ، وتحكم العصبيات الجاهلية .
وحسبي من البيان ما قدمت في هذا العرض ، لإعطاء صورة عن مجتمع الكوفة فقد رسم لنا
المؤرخون لها صورة تمثل التقلبات ، ووسموها بطابع الغدر والنفاق والخيانة ، وجعلوا
ذلك وسيلة للطعن في الشيعة ، بعد أن أهملوا كل جانب من جوانبها الاجتماعية ، ولم
يلتفتوا إلى العوامل المهمة التي أدت بمجتمع الكوفة إلى انحلال الروابط ، وازدياد
الفتن والفوضى ، وتباين الاتجاهات .
وعليه : فإن الكوفة لم تكن شيعية محضة ، ولم تكن نزعتها العامة نزعة علوية ، وإن ذلك
الإطلاق في التسمية جاء متأخرا عن ذلك العصر ، يوم اشتد الصراع العقائدي بين
المذاهب ، واستطاعت السياسة أن تفصل الشيعة عن المجتمع الإسلامي ، وسار بعض علماء
الحديث والفقهاء في ركاب الدولة ، فمنعوا قبول رواية الشيعي : لأنه مبتدع - كما
يقولون - وقسموا الشيعي إلى معتدل ، ومخترق ، ورافضي ( 2 ) .
وكان إلحاح أهل الكوفة على الحسين ( ع ) بالقدوم إليهم ، هو غاية ما يصبو إليه ذلك
البلد ، وكانت قد لاحت في الأفق علائم النصر على الأمويين إثر ورود كتاب سفيره
ورائده مسلم بن عقيل ( ع ) ، فضلا عن كتب أهل الكوفة ورسلهم ، ولم يبلغه ( ع ) خلاف نشأ
في الكوفة ، وكما قلنا حينما شاع نبأ عزم الحسين ( ع ) على الخروج إلى العراق : اهتم
يزيد لذلك الأمر ، فاتخذ شتى الوسائل للحيلولة دون وصول ركبه إلى الكوفة . فأخذ يراسل
جماعة من أعيان الصحابة لعرض وجهة نظرهم على الحسين في خروجه إلى العراق ، ومنعه عن
ذلك .
فكتب إلى ابن عباس كتابا جاء فيه : وجاءه ] أي الحسين ( ع ) [ رجال من أهل هذا المشرق
فمنوه الخلافة ، وعندك منهم خبرة وتجربة : فإن كان فعل فقد قطع أواشج القرابة ،
وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليهم ، فاكففه عن السعي في الفرقة . . . الخ ( 3 ) .
ولما شاع نبأ توجه الحسين ( ع ) إلى العراق في تلك اللحظة الحرجة - أصبحت السلطة أمام
أهم مشكلة تقف أمام نفوذها ، وذهبت المحاولة التي اتخذوها في مكة المكرمة هباء ، إذ
فشلت المؤامرة التي دبروها لقتله ( ع ) غيلة ، وهذا الحادث هو أقوى وسيلة إعلام للثورة
ضد الأمويين وحكمهم الجائر ، ولم يك ذلك من باب المغامرة السياسية ، ولا وسيلة عاجز
عن إدراك ما يصبو إليه في مهمته ، ولا حركة من الحركات التي يأمل القائمون بها
الوصول من خلالها إلى أغراضهم الدنيوية : إنما هي حركة إصلاح دينية وغاية يتحقق
فيها للمسلمين أعظم عوامل الظفر .
هامش
1 - التصور والتجديد في الشعر الأموي لشوقي منيف ج 80 ص 81 .
2 - مع الحسين ونهضته لأسد حيدر ص 139 .
3 - تاريخ ابن عساكر ج 4 ص 221 .