وأما الرسالة الثانية : فقد تسببت في عزل والي الكوفة السابق ، النعمان بن بشير ،
وتعيين آخر محله ، وهو عبيد الله بن زياد - المعروف بقسوته وبطشه بشيعة علي بن أبي
طالب ( ع ) ، وولائه المطلق للحكم الأموي ، ناهيك عن ماضيه الأسود - ، وترقيته إلى
رتبة أعلى ، فقد نال الولايتين ، إذ أصبح واليا على الكوفة ، إضافة إلى ولاية البصرة .
ولما كان ابن زياد يعرف أن الكوفة تعيش حالة الهيجان والترقب والانتظار للإمام
الحسين ( ع ) ، وقد احتشد الناس في المسجد معلنين ولاءهم وبيعتهم للحسين عند سفيره
مسلم بن عقيل عليهما السلام ، فقد كان لزاما عليه أن يدخلها متنكرا ، لكي لا يعلم به
أحد من الشيعة ، وجاء بفكرة شيطانية غادرة ، بأنه اتخذ لنفسه هيئة جديدة ، وتنقب
وارتدى بزي أشراف بني هاشم ، لإيهام الناس والجموع المحتشدة لاستقبال ابن بنت رسول
الله ( ص ) بأن القادم هو الحسين ( ع ) ، وليبدأ بتنفيذ خطته الآتية :
فعلى مشارف المدينة أوعز إلى أعوانه بأن يتجمهروا وينادوا بأعلى أصواتهم ،
ويعرفوه على أنه الحسين بن علي ويرحبوا به ، وقد نجحت خطته الخسيسة هذه في انتحال
صفة وشخص الإمام الحسين ( ع ) ، فكان كلما يتقدم نحو المدينة تزداد الجموع عددا ، وقد
ظن الناس أنهم يستقبلون الحسين ( ع ) ، وأخذت الكوفة بالتحرك شيئا فشيئا ، فدخل ابن
زياد المدينة دون أن يتحدث إلى أحد من الناس أو يزيل النقاب عن وجهه ، وتوجه نحو
دار الإمارة مباشرة ، وقد ظن الناس أنه هو الحسين الذي قصد مقر الأمير ، ويريد أن
ينهي أمر والي الأمويين حينذاك النعمان بن بشير ، وقد كان غضب الأمة على الأجهزة
التابعة لحكومة يزيد بنحو كأنهم كانوا يريدون اقتلاع قصر الإمارة ، وتحصن ابن زياد
في القصر ، وأوعز بأن تغلق جميع الأبواب ، وقد تأكد من محبة الناس الشديدة لإمامهم
، واشمئزازهم من أتباع يزيد : ليعمل بما ينسجم مع هذا الحب والاشمئزاز في سياسته
اللاحقة .
ولما تبين للناس حجم المكيدة والخطة التي جاء بها ابن زياد وظهوره المفاجئ ،
اعتراهم الذهول والحيرة جراء هذا المشهد والخطة الوضيعة التي أخذوا فيها على حين
غرة ، فتفرقوا بعدها ، وقد دب الوهن فيهم .
وأول شئ اتخذه هذا الطاغية هو دخول المسجد وأمره الناس بالصلاة جامعة ، وقد أفصح
عن نيته والأمر الذي دعاه إلي التوجه إلي الكوفة ، ونزل من المنبر وأمر بإحضار
الشخصيات البارزة ، ودعا من لديهم معرفة بأحوال الناس ، وتشدد عليهم بإحضار كل من
يعرف بمعارضته للنظام ، وموافاته بمن يوافق النظام ، وأخذ العهود والمواثيق منهم
بعدم معارضة أي من أبناء عشيرتهم للنظام ، وقال : ليعرف كل من خالف بأننا سنأخذ
الولي بالولي .
ومن الخطط التي ابتدعها عبيد الله بن زياد - وهي ما لم تكن مألوفة في السابق -
استحداث منظمة رهيبة تأخذ على عاتقها التسلل إلى صفوف المعارضين : لاستلال الأخبار
منهم ، وإشاعة الأخبار التي من شأنها الحد من فورة المنتفضين ، وإحباط معنوياتهم ،
والتحرك الحثيث على بعض الوجوه لاستمالتهم إلى نظام الحكم ، أو على أقل تقدير
تحييدهم ، فقد دعا معقلا غلامه ، وأعطاه ثلاثة آلاف درهم ، وأمره أن يلتقي مسلما أو
أحد أنصاره ، على أنه
رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ — صفحة 123
مساهمون: السيد لطيف القزويني
ص١٢٣