هشام : " مامن حجّة أقامها الله تعالى على أوّل خلقه إلاّ أقامها على وسط خلقه
وآخر خلقه ، فلا تبطل الحجج ولا تذهب السنن " قال بريهة : ما أشبه هذا بالحقّ
وأقربه من الصدق ، وهذه صفة الحكماء يقيمون من الحجّة ما ينفون به الشبهة ( إلى
أن قال ) فارتحل بُريهة مع هشام إلى المدينة فقصدا الصادق ( عليه السلام ) ولقيا في الطريق
الكاظم ( عليه السلام ) فحكى هشام له الأمر ، فقال ( عليه السلام ) لبريهة : كيف علمك بكتابك
وبتأويله ؟ فقال : ما أوثقني بذلك ، فابتدأ الكاظم ( عليه السلام ) بقراءة الإنجيل ، فقال بريهة :
والمسيح ! لقد كان يقرأ هكذا ، وما قرأ هذه القراءة إلاّ المسيح ، فأسلم ودخلا على
الصادق ( عليه السلام ) فحكى هشام له ( عليه السلام ) الحكاية وما جرى بينه وبين الكاظم ( عليه السلام )
فقال ( عليه السلام ) " ذرّيّة بعضها من بعض " - إلى أن قال - فلزم بُريهة الصادق ( عليه السلام ) ثمّ
الكاظم ( عليه السلام ) حتّى مات ، فغسله الكاظم ( عليه السلام ) وكفّنه وألحده بيده . . . الخبر ( 1 ) .
وبالجملة : الرجل كان من الأجلّة ، ولعمري ! لم يك في أصحابهم ( عليهم السلام ) بعد
عبد الله بن عبّاس مثله في إفحام الخصوم وإرغامهم ، ومن غمز فيه إمّا كان حسداً
فقديماً أهل الفضل كانوا محسودين ، ومرّ خبر الكشّي " عن الرضا ( عليه السلام ) : رحم الله
هشاماً كان عبداً ناصحاً وأُوذي من قبل أصحابه حسداً منهم له " وإمّا التبس عليه
الأمر ، وإن كان منزّهاً عن الحقد والحسد كابن أبي عمير ، فروى الكافي في " باب
أنّ الأرض كلّها للإمام " : أنّ ابن أبي عمير لم يكن يعدل بهشام شيئاً ، وكان لا يغبّ
إتيانه ، ثمّ انقطع عنه وخالفه ، وكان سبب ذلك أنّ أبا مالك الحضرمي - وكان أحد
رجال هشام - وقع بينه وبين ابن أبي عمير ملاحاة في شيء من الإمامة ، قال ابن
أبي عمير : الدنيا كلّها للإمام ( عليه السلام ) على جهة الملك ، وأنّه أولى بها من الّذين هي في
أيديهم ، وقال أبو مالك : أملاك الناس لهم إلاّ ما حكم الله به للإمام من الفيء
والخمس والمغنم ، فتراضيا بهشام فحكم لأبي مالك ، فغضب ابن أبي عمير وهجر
هشاماً " ( 2 ) فإنّ هشاماً حكم على الظاهر وفي الظاهر لم يكن لهم ( عليهم السلام ) إلاّ ما قال
هشام تصديقاً لأبي مالك ، وإنّما في الباطن كما قال ابن أبي عمير ، حيث إنّ الإمام
هامش
( 1 ) التوحيد : 270 - 275 .
( 2 ) الكافي : 1 / 409 - 410 .