مصيباً في ذلك فأمير المؤمنين ( عليه السلام ) أولى بالصواب وإن كان مخطئاً كافراً فقد
أراحنا من نفسه بشهادته بالكفر عليها ، والنظر في كفره وإيمانه أولى من النظر في
إكفاره عليّاً ( عليه السلام ) " فاستحسن ذلك الرشيد وأمر بصلته وجائزته ( 1 ) .
وروى الكافي " في باب حدوث العالم " أنّ الصادق ( عليه السلام ) قال لهشام - في
الزنديق المصري الّذي ناظره ( عليه السلام ) حتّى آمن - : خذه إليك فعلّمه ، قال : وكان هشام
معلّم أهل الشام وأهل مصر الإيمان ( 2 ) .
وروى في باب قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار ) عن هشام ، قال : الأشياء
لا تدرك إلاّ بأمرين : بالحواسّ والقلب ، ثمّ الحواسّ إدراكها على ثلاثة : إدراكاً
بالمداخلة وإدراكاً بالمماسّة وإدراكاً بلا مداخلة ولا مماسّة ، فأمّا الإدراك الّذي
بالمداخلة فالأصوات والمشامّ والطعوم ، وأمّا الإدراك بالمماسّة فمعرفة الليّن
والخشن ، والحرّ والبرد ، وأمّا الإدراك بلا مماسّة ولا مداخلة فالبصر ، فإنّه يدرك
الأشياء بلا مماسّة ولا مداخلة في حيّز غيره ولا في حيّزه ، وإدراك البصر له سبيل
وسبب ، فسبيله الهواء وسببه الضياء ، فإذا كان السبيل متّصلا بينه وبين المرئيّ
والسبب قائم أدرك ما يلاقي من الألوان والأشخاص ، فإذا حمل البصر على مالا
سبيل له فيه رجع راجعاً فحكى ما وراءه كالناظر في المرآة لا ينفذ بصره في
المرآة ، فإذا لم يكن له سبيل رجع راجعاً يحكي ما وراءه ، وكذلك الناظر في الماء
الصافي يرجع راجعاً فيحكي ما وراءه ، إذ لا سبيل له إلى إنفاذ بصره ، فأمّا القلب
فإنّما سلطانه على الهواء فهو يدرك جميع ما في الهواء ويتوهّمه ، فإذا حمل القلب
على ما ليس في الهواء موجوداً رجع راجعاً فحكى ما في الهواء ، فلا ينبغي للعاقل
أن يحمل قلبه على ما ليس موجوداً في الهواء من أمر التوحيد جلّ وعزّ ، فإنّه إن
فعل ذلك لم يتوهّم إلاّ ما في الهواء موجود كما قلنا في أمر البصر ، تعالى الله أن
يشبهه خلقه ( 3 ) .
هامش
( 1 ) الفصول المختارة : 26 - 28 .
( 2 ) الكافي : 1 / 74 .
( 3 ) الكافي : 1 / 99 .