الآفاق ، مطعمه حرام وملبسه حرام غذي بالحرام ، يرفع يده في صلاته فيقول : يا ربّ يا ربّ ، فأنّى يستجاب له ذلك . وفي الحديث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنّ لله عزّ وجلّ ملكا على بيت المقدس ينادي في كل ليلة : من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل ، قيل الصرف النافلة والعدل الفريضة . وفي حديث أبي هريرة : المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة ، فإذا صحت المعدة صدرت العروق إليها بالصحة ، وإذا سقمت المعدة صدرت العروق إليها بالسقم . ومثل الطعمة من الدين مثل الأساس من البنيان ، فإذا ثبت الأساس وقوي استقام البناء وارتفع . وإذا ضعف الأساس وأعوج انهار البنيان ووقع . وقد قال الله :
* ( أَحْسَنَ الْخالِقِينَ ) * [ الصافات : 125 ] . * ( أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى من الله ورِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ من أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ به في نارِ جَهَنَّمَ ) * .
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : من اكتسب مالا من حرام وإن تصدق به لم يقبل منه ، وإن تركه وراءه كان زاده إلى النار . وقيل في معنى قول الله عزّ وجلّ : * ( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) * . . . * ( ولا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) * [ النساء : 29 ] . قيل : من أكل حراما فقد قتل نفسه لأنه كان سبب هلاكها وتعذيبها . وفي الأخبار المشهورة عن عليّ وغيره : أنّ الدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب . وقال يوسف بن أسباط وسفيان الثوري رحمهما الله : لا طاعة للوالدين في الشبهة . وقال الفضيل بن عياض : من قام في موقف ذل في طلب الحلال حشره الله مع الصدّيقين ورفعه إلى الشهداء في موقف القيامة . وقال أبو سليمان أو غيره من العلماء : لا يفلح من استحيا من طلب الحلال . وفي بعض التفسير فإن له معيشة ضنكا . قيل أكل الحرام كما قيل في قول : * ( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ) * قال : نرزقه حلالا وقد قال الله تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا من طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ) * [ البقرة : 172 ] . قيل :
من الحلال كما قال : * ( يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا من الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحاً ) * [ المؤمنون :
51 ] . أي من الحلال ، فأمر بأكل الحلال قبل العمل الصالح . وهكذا قال بعض العلماء :
زكاة الأعمال بأكل الحلال ، فكلما كانت الطعمة أحل كان العمل أزكى وأنفع . وكان بشر بن الحارث إذا ذكر أحمد بن حنبل يقول : قد فضل عليّ بثلاث ، صبره على العيال وأنا أضيق عن ذلك وهو يطلب الحلال لنفسه ولغيره وكان يقول : ما أترك الطيبات زهدا فيها وإنما أتركها لأنه لا يصفو لي درهما ، ولو صح لي الدرهم الذي أشتريها به لأكلتها . وقد قال علماء الظاهر : إن الحلال من عشرة أوجه ومنهم من قال : يوجد من سبعة أشياء وأصل ذلك كله يرجع إلى ثلاثة أشياء : تجارة بصدق وصناعة بنصح وعطية بحكم ، ثم تنقسم العطية أربعة أقسام ، فيكون فيئا أو ميراثا أو هبة عن طيب نفس ، أو صدقة مع وجود فقر .
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 479
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٤٧٩