شيئا ، ولو أعطاني الشيطان شيئا لأكلته ، فهجره أحمد رضي الله عنه حتى اعتذر إليه يحيى وقال : إنما كنت أمزح قال : تمزح بالدين ، أما علمت أنّ الأكل بالدين قدمه الله على العمل فقال : كلوا من الطيّبات واعملوا صالحا . وقد كان كثير من الورعين يقول : منذ أربعين سنة ما دخل جوفي إلَّا ماء أعلم من أين هو . وبعضهم يقول : منذ ستين سنة ما أكلت إلَّا من حيث أعلم . وكان وهب بن الورد لا يأكل إلَّا من حيث يعلم أو يشهد عنده شاهدان بصحته . وقد كان بشر يقول : من فقر جاع ، ومن تغافل شبع ، وعند العلماء : إنّ من طلب الدنيا حلالا فهو أزهد فيها ممن أكل الشبهات من غير طلب . وفي الخبر : من لم يبال من أين مطعمه لم يبال الله تعالى من أي أبواب النار أدخله ، وقيل : ذلك في التوراة مكتوب .
ذكر تفصيل الحلال من الشبهة والأصل في ذلك حديث النعمان بن بشير الحلال بيّن والحرام بيّن والشبهات بين ذلك لا يعلمها كثير من الناس ، من تركها فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه وإنّ لكل مالك حمى وإن حمى الله في أرضه محارمه . يقال : إنّ هذا الحديث ثلث العلم ، فالحلال ما ظهر وتبين وكنت على يقين منه واطمأن به قلب المؤمن العالم ، والحرام أيضا ما تبين وانكشف على يقين منه ولم يختلف أحد من المسلمين فيه ، ونفر قلب المؤمن واشمأز منه وقد تطمئن بعض القلوب إلى شيء لقلة ورعها ، وقد تنفر بعض القلوب من شيء لقصور علمها وليس يقع بمثل هذين القلبين اعتبار . وإنما الاعتبار بقلب المعيار الذي قد جعل كالمحك يختبر به معادن الملكوت وهو قلب المؤمن الموقن العالم ، وهذا القلب في القلوب أعزّ من الذهب إلا بريز في سائر المعادن .
وقد روينا عن بعض السلف عن تفسير قوله تعالى : * ( وكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) * [ الأنعام : 129 ] . قال : إذا فسدت أعمال الناس جعل عليهم ولاة يشبهون أعمالهم . وقال بعض العلماء في معناه : إذا فسدت أديان الناس فسدت أرزاقهم والشبهات على وجوه ، أحدها ما أشبه الحلال من وجه وما اختلط أيضا بها فاختلط ولم يتميز منهما ، والشبهة أيضا ما دل باطن العلم على تحليله فهو حلال الحكم وأظهر باطن الورع الوقوف عنه ، والشبهة ما أباحه علم الظاهر وكرهه علماء الباطن لحبك القلوب وحوازها ولعدم الطمأنينة ومواجيد القلوب ، كنحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على ما أسمع منه وهو يعلم خلافه ، فمن قضيت له على أخيه فإن أقطع له قطعة من النار . فأخبر النبي
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 481
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٤٨١