على ذلك إلى الممات . وقال : من لم يكن مطعمه من حلال لم يكشف الحجاب عن قلبه ولم ترفع العقوبة عن قلبه ولم يبال بصلاته وصيامه إلَّا أن يعفو الله عزّ وجلّ عنه . وقال : من اختار أن يريد خوف الله في قلبه ويكاشف بآيات الصدّيقين ، لا يأكل إلَّا حلالا ولا يعمل إلَّا في سنة أو ضرورة . وكان يقول : إنما حرموا مشاهدة الملكوت ، وحجبوا عن الوصول بشيئين سوء الطعمة وأذى الخلق . وكان يقول : بعد سنة ثلاثمائة لا تصح لأحد توبة .
قيل : ولم قال : يفسد الخبز وهم لا يصبرون عنه . وقد روى مرة الطيّب عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : جسم غذي بحرام لا يدخل الجنة ، النار أولى به .
وفي الخبر : أنه أكل من كسب غلامه ثم سأله عنه فقال : رقيت لقوم فأعطوني . وفي لفظ آخر : تكهنت لهم فأدخل يده في فيه وجعل يقيء حتى استقاءَه عن آخر لقمة ثم قال :
اللَّهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الإمعاء .
وقد روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال : أو ما علمتم أنّ الصديق لا يدخل جوفه إلَّا طيّبا ؟ وفي الخبر : أنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعله الله مستجاب الدعوة فقال : يا سعد ، أطب طعمتك تستجب دعوتك ، وقال العلماء : الدعاء محجوب عن السماء بفساد الطعمة . ويقال : إنه الله لا يستجيب دعاء عبد حتى يصلح طعمته ويرضى عمله . وقال جماعة من السلف : الجهاد عشرة أجزاء ، تسعة في طلب الحلال . وقال عليّ بن فضيل لأبيه : يا أبت ، إنّ الحلال عزيز فقال : يا بني إنه وإن عزّ فقليله عند الله كثير . يقال : إنّ من صلَّى وفي جوفه طعام حرام ، أو على ظهره سلك من حرام لم تقبل صلاته . وقال بعض السلف : يا مسكين إذا صمت فانظر عند من تفطر وطعام من تأكل ، فإنّ العبد ليأكل الأكلة فيتقلب قلبه وينغل كما نغل الأديم ، فلا يعود إلى حاله أبدا وهذا أحد التأويلين في قوله صلى الله عليه وسلم : كم من صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ، قال :
هو الذي يصوم ويفطر على الحرام . وفي الخبر : من طلب الدنيا حلالا مفاخرا مكاثرا لقى الله عزّ وجلّ وهو عليه غضبان . وحدثونا من آثار السلف أنّ الواعظ والمذكر كان إذا جلس للناس ونصب نفسه سأل أهل العلم عن مجالسته فكانوا يقولون : تفقدوا منه ثلاثا ، انظروا إلى صحة اعتقاده وإلى غريزة عقله وإلى طعمته ، فإن كان معتقد البدعة فلا تجالسوه فإنه عن لسان الشيطان ينطق ، وإن كان سيّئ الطعمة فاعلموا أنه ينطق عن الهوى ، وإن كان غير ممكن العقل فإنه يفسد بكلامه أكثر مما يصلح فلا تجالسوه ، وهذا التفقد والبحث عن طريق قد مات فمن عمل به فقد أحياه .
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحريص على الدنيا فذمه ثم قال : رب ، أشعث أغبر مشرد في
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 478
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٤٧٨