أسباب تكرهها النفوس ، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم . ثم إنّ الفرائض لها علوم وأحكام ، فمن لم يعرف علومها ولم يقم بأحكامها فكأنه لم يعلمها . وكان عمر رضي الله عنه يضرب أهل السوق بالدرة ويقول : لا يتّجر في سوقنا إلَّا من تفقّه وإلَّا أكل الربا : وكان بعض العلماء يقول : تفقّه ثم ادخل السوق فبع واشتر ، وتأول معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : طلب العلم فريضة على كل مسلم قال : هو طلب علم الحلال والحرام والبيع والشراء ، إذا أراد الإنسان أن يدخل فيه افترض عليه علمه . ففي الخبر : من سعى على عياله من حله فهو كالمجاهد في سبيل الله عزّ وجلّ ، ومن طلب الدنيا حلالا في عفاف كان في درجة الشهداء . ويقال : إنّ أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه ، ومن أقام نفسه في مقام ذل في طلب الحلال ، تساقطت عنه ذنوبه كما يتساقط ورق الشجر في الشتاء إذا يبس . وكان بعض العلماء يقول لبعض المجاهدين : أين أنت من عمل الأبطال :
كسب الحلال والنفقة على العيال ؟ وقد كان شعيب بن حرب ، وغيره يقول : لا تحقر دانقا من حلال تكسبه تنفقه على نفسك وعيالك أو أخ من إخوانك ، فلعله لا يصل إلى جوفك أو لا يصل إلى غيرك حتى يغفر لك . وفي الخبر : من أكل الحلال أربعين يوما نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه . وفي بعض الروايات زهده الله في الدنيا ويقال : من أكل حلالا وعمل في سنة فهو من أبدال هذه الأمة .
وقد كان سهل يقول : لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يأكل الحلال بالورع .
وروينا عن إبراهيم بن أدهم وفضيل بن عياض رضي الله عنهما : لم ينبل من نبل بالحج ولا بالجهاد ولا بالصوم ولا بالصلاة ، وإنما ينبل عندنا من كان يعقل ما يدخل جوفه يعني الرغيف من حله . وقال يوسف بن أسباط لشعيب بن حرب : أشعرت أنّ الصلاة جماعة سنّة وأن كسب الحلال فريضة ؟ قال : نعم . وسأل رجل إبراهيم بن أدهم قال : أنا رجل أتكسب في السوق ، فإذا عملت فاتتني الصلاة في جماعة فأيما أحبّ إليك أصلَّي في جماعة أو أكتسب فقال : أكتسب من حلال وأنت في جماعة . وقد كان إبراهيم بن أدهم يعمل هو وإخوانه في الحصاد في شهر رمضان ، فكان يقول لهم : انصحوا في عملكم بالنهار حتى تأكلوا حلالا ولا تصلَّوا بالليل ، وإنّ لكم ثواب الصلاة في جماعة وأجر المصلَّين بالليل . وقال بعض السلف : أفضل الأشياء ثلاث ، عمل في سنة ودرهم حلال وصلاة في جماعة .
وكان سهل رحمه الله يقول : لا يبلغ العبد حقيقة من هذا الأمر حتى يؤدي هذه الأربع ، أداء الفرائض بالسنّة وأكل الحلال بالورع واجتناب النهي في الظاهر والباطن والصبر
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 477
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٤٧٧