قيراطا انصرف قناعة وزهدا أو قلة حرص على الدنيا ، وأعجب من ذلك ما سمعت عن حماد بن سلمة أنه كان يبيع اللحم في سفط بين يديه ، فكان إذا ربح حبتين رفع سفطه وانصرف .
وقال إبراهيم بن يسار : قلت لإبراهيم بن أدهم أمر اليوم أعمل في الطين فقال : يا ابن يسار إنك طالب ومطلوب يطلبك ما لا تفوته وتطلب ما لا يفوتك ، أما رأيت حريصا محروما وضعيفا مرزوقا ؟ فقلت : إنّ لي دانقا عند البقال فقال عزّ عليّ بك تملك دانقا وتطلب العمل . وقد كان كثير من الصناع يعمل نصف يومه وثلثي يومه ثم يأخذ ما استحقه من كفايته وينصرف إلى مسجده . ومنهم من كان يعمل في الأسبوع يوما أو يومين ويتعبد سائر الأسبوع في خدمة سيده . وقد كانوا يجعلون أول النهار وآخره للآخرة في تجارة المعاد والمرجع ، ويجعلون وسط النهار لتجارة الدنيا . وفي الخبر : أنّ الملائكة إذا صعدت بصحيفة العبد من أول النهار ومن آخره فيها خير وذكر كفر الله عزّ وجلّ عنه ما بينهما من سيّئ العمل . وفي الخبر : يلتقي ملائكة الليل والنهار ، عند طلوع الفجر تنفرج ملائكة الليل وتنزل ملائكة النهار ، وعند صلاة العصر فتنزل ملائكة الليل وتنفرج ملائكة النهار فيقول الله عزّ وجلّ : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم يصلون وجئناهم يصلَّون فيقول الله سبحانه وتعالى : أشهدكم أني قد غفرت لهم . وقد كان عليّ رضي الله عنه يمرّ في سوق الكوفة ومعه الدرة وهو يقول : يا معشر التجار ، خذوا الحق وأعطوا الحق ، تسلموا ولا تردوا قليل الربح فتحرموا أكثر ما منع من حق إلَّا ذهب أضعافه في باطل . وقيل لعبد الرحمن بن عوف : ما كان سبب يسارك ؟ فقال : ثلاث ، ما رددت ربحا قط ولا طلب مني حيوان وأخرت بيعه ولا بعت بنسإ . ويقال إنه باع ألف ناقة فربح عقلها وباع كل عقال بدرهم فربح فيها ألفي درهم ، ألف أخذها وألف نفقة عليها في يومها . وقد كان الورعون يكرهون ركوب البحر للتجارة ويقال : من ركب البحر للتجارة فقد استصقى في طلب الرزق . وفي الخبر لا يركب البحر إلَّا حاج أو غاز أو معتمر . وعن زيد بن وهب عن عمر رضي الله عنه كان يقول : ابتاعوا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة وثمروها لهم بالأرباح ، وإياكم والحيوان فإنه ربما هلك ، وإياكم ولجج البحر اتجروا لهم فيها مالا .
وكان عمرو بن العاص يقول : لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر خارج فإنّ بها باض الشيطان وفرخ . وروينا عن معاذ وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أنّ إبليس قال لولده زلنبور : يا زلنبور سر بكتابيك وأنت صاحب السوق زين الحلف والكذب والخديعة والمكر والخيانة والخلف ، وكن مع داخل وآخر خارج منها .
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 454
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٤٥٤