تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
فيما علمتم ؟ إذا كانوا على علم من التجارة والصناعة وبهذه الأشياء عمارة المملكة ، فلا بدّ أن يسألا عن ذلك كما يسأل من كان على علم من الدين والإيمان ، لأن لهم في علوم العقل والتمييز من أبواب الدنيا أحوالا أيضا ومقامات من حيث كان عليهم في ذلك تكليف وعبادات . ويقال : إذا أثنى على الرجل جيرانه في الحضر وأصحابه في السفر ومعاملوه في الأسواق فلا تشكَّوا في صلاحه . وشهد رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشهادة فقال : ائتني بمن يعرفك ، فأتاه رجل فأثنى عليه خيرا . فقال له عمر رضي الله عنه : أنت جاره الأدنى الذي تعرف مدخله ومخرجه قال : لا قال : فكنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق قال : لا قال : فعاملته بالدينار والدرهم الذي يتبين به ورع الرجل قال : لا قال : أظنك رأيته قائما في المسجد يصلي يخفض رأسه طورا ويرفعه له زمرة بالقرآن قال : نعم . قال : اذهب فلست تعرفه فقال مرة : أنت القائل ما لا تعلم ثم قال للرجل : اذهب فأتني بمن يعرفك . وقد كال من سيرة السوقة فيما سلف أنه كان للبائع دفتران للحساب أحدهما ترجمته مجهول ، فيه أسماء من لا يعرفه من الفقراء الضعفاء ، وذلك أنّ المسكين والضعيف كان يرى المأكول فيشتهيه أو يحتاج إليه ولا يمكنه أن يشتريه فيقول للبائع : أحتاج إلى خمسة أرطال من هذا أو عشرة وليس عندي ثمنه فيقول : خذ إلى ميسرة فإذا رزقت فاقض ، ويكتب اسمه في الدفتر المجهول قال : ولم يكن من يفعل هذا من خيار المسلمين بل كان الخير من الباعة من لا يكتب اسمه في دفتره ولا يجعله دينا حتما عليه ولا مظلمة عنده ، ولكن يقول : خذ حاجتك مما تريد فإن وجدت فاقضني وإن لم تجد فأنت في حل ، لا تضيقن قلبك لذلك . وهذا طريق قد مات فمن قام به فقد أحياه فكان مثل هؤلاء في المتقدمين أكثر من أن يسعهم كتاب ، وكان من ينصح دقائق النصح وشدد على نفسه غاية التشديد وسمح لإخوانه نهاية الجود أكثر من ذلك . وإنما ذكرنا هؤلاء لتنبيه الغافلين على أعمالهم ونكشف بعض ما عفا من طريقهم ، ولم يكن هؤلاء المذكورون من السوقة من خيار الناس كلهم إنما كان الأخيار المسجدية العباد والنساك المنقطعون إلى الله الزهاد ، فإذا حصلت كفاية السوقي في بعض يومه فليجعل بقيته لأخيه . فقد كان بعض السلف منهم من ينصرف من حانوته بعد صلاة الظهر ويجعل نصف يومه لربه ، ومنهم من ينصرف بعد العصر فيكون آخر يومه لآخرته . وكان بعضهم إذا حصلت كفايته في يومه وتأتي قوت عياله في أي وقت من نهاره غلق حانوته وانصرف إلى منزله أو مسجده يتعبد بقية يومه . وكان منهم من إذا ربح دانقا أو