لأجل اشتماله على الصوت ، ففي الحقيقة كلام الخليل يكون تعليلا لوجود مصدرين مختلفين .
وكيف كان ، فلو قلنا بأنّ الأصل في الاشتقاق هو المصدر ، فإمّا أن يقال : بأنّ المشتقّات كلَّها مشتقّة من أحد المصدرين دون الآخر ، وإمّا أن يقال : باشتقاق كلَّها من المصدرين ، فعلى الأوّل يحتاج إلى دليل معيّن لذلك ، مع أنّ من الواضح عدم وجوده ، وعلى الثاني يلزم الاشتراك بحسب اللفظ ، بناء على تباين المصدرين بحسب المعنى ، كما عرفت من الجوهري .
وحينئذ فقولنا : بكى يبكي محتمل لكلّ من المعنيين ، فلا بدّ من وجود قرينة على إرادة كلّ منهما نظير باب المشترك ، وإن كان بين المقام وباب المشترك فرق ، من جهة أنّ اللفظ هناك واحد والمعنى متعدّد لأجل الأوضاع المتعدّدة ، وأمّا هنا فالمفروض أنّ اللفظ متعدّد كالمعنى ، ومن هنا يظهر أنّ الاحتياج إلى القرينة هناك إنّما هو لتعيين المستعمل فيه وهنا لتعيين المستعمل ، وأنّ لفظ « بكى » مثلا هل يكون مأخوذا من المصدر المقصور أو الممدود ، فيحتاج إلى قرينة معيّنة ، وحينئذ فهل المخصّص والمعيّن قصد المتكلَّم ، وإرادته كون لفظ « بكى » المستعمل مأخوذا من المقصور أو الممدود أو غيره ؟ أمّا الأوّل فليس كذلك ، وأمّا الثاني فليس بثابت ، وحينئذ فلا بدّ من القول بوحدة المشتقّات من حيث المعنى ، ومن وحدتها يستكشف وحدة المشتقّ منه ، كما عليه الخليل .
نعم ، لو قلنا : بأنّ الأصل في الاشتقاق هو الفعل ، فيمكن القول بمقالة الجوهري ، نظرا إلى أنّ الفعل وإن كان واحدا من حيث اللفظ والمعنى إلَّا أنّه اشتقّ منه مصدران مختلفان من حيث المعنى ، وكذا يمكن الالتزام بذلك لو قلنا : بأنّ الأصل في الاشتقاق هي طبيعة ( ب ك ى ) لا الفعل ولا المصدر .
وكيف كان ، فما ذكره الجوهري غير ثابت ، مع انّه على الظاهر أخذ ذلك من
نهاية التقرير في مباحث الصلاة تقريرا لما أفاده السيد حسين الطباطبائي البروجردي — صفحة 358
مساهمون: الشيخ محمد الفاضل اللنكراني
ص٣٥٨