فلا يتم الاستدلال إلا بعد ضم ما ذكرناه ، من إطلاق الآية لمورد عدم إمكان الاحتياط لاحتمال حكمين إلزاميين ، فإنه لا يمكن ذلك الفرار
حينئذ ، فإن كان العمل بقول العادل مع ذلك محبوبا كان ذلك لحجيته ، بل يمكن أن يقال : إن مادة الحذر إن أطلقت على الفرار عن
المفاسد أو ترك المصالح ، فإنها لا تطلق إلا على الفرار عن أحد الملزمتين منهما دون غيرها ، ومن المعلوم أنه لا إلزام في المفاسد
والمصالح الموجودة في مورد اخبار العدل ، إذا لم يكن اخباره حجة .
قوله : ثانيها : انه لما وجب الانذار لكونه غاية للنفر الواجب :
لا يخفى عدم توقف هذا الوجه من الاستدلال على وجوب الانذار ، بل لو كان الانذار راجحا أيضا كفى في الاستدلال على وجوب القبول
للزوم اللغوية لولاه ، وهذا الوجه يحتاج إلى ضم ما تقدم في ذيل الوجه الأول ، من عدم معقولية محبوبية الحذر ورجحانه من غير وجوب
وإلا كفى ذلك في خروج الامر بالانذار عن اللغوية ، ولم يمكن إثبات وجوب الحذر ببرهان اللغوية .
قوله : ثالثها : انه جعل غاية للانذار الواجب :
الأولى في تقرير هذا الوجه أن يقال : إن كلمة لولا تدل على وجوب مدخولها ، وهو النفر ، فإذا وجب النفر وجب جميع غاياته ما كان بلا
واسطة ، كالتفقه والانذار ، أو ما كان مع الواسطة ، كالحذر ، وذلك لان غاية الواجب لا بد أن تكون مما لا يرضى الامر بعدمها ، ولازمه
أن تكون واجبة إذا كانت من الأفعال الاختيارية .
وفيه : ان المراد من غاية الواجب إن كان هو الفعل الاختياري الذي ترشح وجوب ذي الغاية من وجوبه ، فيكون وجوب ذي الغاية ناشئا
من وجوبه ، فلا إشكال في أنه لو ثبت وجوب ذي الغاية بهذا الوجوب الغيري كان ذلك كاشفا عن وجوب الغاية ، لكن المقام بمعزل عن
ذلك ، فان وجوب النفر والتفقه والانذار لا يكاد يترشح من وجوب الحذر على القوم لعدم وجوب فعل على أحد ، وجب بوجوب غايته
على آخر ، وإن كان المراد من غاية الواجب الحكم والمصالح المترتبة عليه ، فهذا مما لا يجب بوجوب الواجب ، بل يتحقق بتحققه البتة ، إن
كان
نهاية النهاية — صفحة 71
مساهمون: الشيخ علي الغروي الإيرواني
ص٧١