قوله : واما النقلي : فإلزام الشارع به :
إلزام الشارع بالاحتياط ليس إلزاما نفسيا في عرض الواقع ، بل ناشئ من فعلية التكليف في ظرف الجهل ، وعدم رفع اليد عنه بسببه .
وفي الحقيقة يكون إلزامه إرشادا إلى حكم العقل وتنبيها على أن الحكم بمثابة لا يعذر فيه بالجهل ، ويكون منجزا بحكم العقل بمجرد
الاحتمال ، فيكون المنجز هو الاحتمال ، كما في موارد الدماء والفروج ، كما أن المنجز هو العلم التفصيلي تارة ، والاجمالي أخرى فتأثير
كل من العلم التفصيلي والاجمالي والاحتمال في تنجيز التكليف في عرض واحد عقلي ليس بجعل الشارع ، بل قد عرفت : ان التنجيز
والحجية لا يعقل أن يكون بالجعل ، بل لا بد أن يكون ذاتيا وبحكم العقل .
قوله : فإنه لا يكاد يصح تنزيل جز الموضوع :
لا يخفى أن الاحكام لم تجعل ابتدأ بالانشاءات اللفظية بل هي مجعولة في الواقع مرسومة في اللوح المحفوظ ، وهذه الانشاءات الصادرة
بالخطابات قوالب لتلك الواقعيات ، فإذا جعل مؤدى الاستصحاب أو سائر الأصول ، وكذلك مؤدى الامارات ، حكما ظاهريا في حق
المكلف في اللوح المحفوظ ، وقلنا : بأن ذلك يستلزم ويستتبع جعلا آخر في ذلك المقام متعلقا بالقطع بذلك الحكم الظاهري ، وانه
كالقطع بالحكم الواقعي ، فيما يترتب عليه من الاحكام ، ثم علمنا : بدليل التنزيل بذلك الحكم الأول ، علمنا :
بالدلالة الالتزامية الثابتة لهذا الدليل بهذا الحكم الثاني .
نعم ، مصداق متعلق الحكم الثاني يتحقق بعد ورود الخطاب بالحكم الأول ، إذ به يعلم الحكم الظاهري المجعول موضوعا للحكم الثاني
وهذا مما لا بأس به ولا محذور يترتب عليه على فرض تسليم الملازمة بين الجعلين ، إلا أن الملازمة ممنوعة ، فإنه يمكن التفكيك بين
التنزيلين ، فينزل مؤدى الامارات والأصول منزلة الحكم الواقعي ولا ينزل القطع به منزلة القطع بالحكم الواقعي .
وقد عرفت : ان تنزيل زيد منزلة الأسد لا يستلزم تنزيل أبيه منزلة أبي الأسد وهكذا ، ليكون أقارب زيد كلهم أسود بهذا التنزيل .
وبالجملة : لا مانع من جعل الحكم الظاهري وجعل القطع بالحكم الظاهري
نهاية النهاية — صفحة 31
مساهمون: الشيخ علي الغروي الإيرواني
ص٣١