فقال : ولا في ابنة أبي جهل ، وهو يريد أن يخطبها على فاطمة رضي الله عنها ؟
قلت : قال الله في معصية آدم ( عليه السلام ) : * ( وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) * ؛ فصاحبنا لم يعزم على إسخاط رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولكن الخواطر التي لا يقدر أحد على دفعها عن نفسه . وربما كانت من الفقيه في دين الله ، العالم بأمر الله ، فإذا نبه عليها رجع وأناب .
فقال : يا ابن عباس ، من ظن أنه يرد بحوركم ، فيغوص فيها معكم حتى بلغ قعرها ؛ فقد ظن عجزاً .
فابن عباس يصارح الخليفة بأن علياً لم يغضب الرسول ، ولا أراد ذلك ، ولا عزم عليه ، ثم هو قد أنكر قضية بنت أبي جهل ، واعتبرها من الخواطر التي ربما تمر ، ولا يقدر أحد على دفعها ، وصدقه بذلك عمر . ويلاحظ هنا مهارة ابن عباس في تكذيب هذه القضية ، حيث لم يواجه الخليفة الثاني صراحة بذلك ، وإنما جاءه من الطريق المعقول والمقبول عنده ، وقطع عليه كل طريق حتى قال له : من ظن أنه يرد بحوركم . .
ويكاد النقيب أبو جعفر محمد بن أبي زيد ، الذي وصفه ابن أبي الحديد بأنه منصف ، ولا يمكن اتهامه بالتشيع ، يكاد يصرح بأن عمر بن الخطاب هو الذي أوحى للناس بأن النبي قد غضب من علي في هذه القضية ، فهو يقول عنه : ثم عاب علياً بخطبته بنت أبي جهل ؛ فأوهم أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كرهه لذلك ، ووجد عليه .
وهم إنما ادعوا ذلك من أجل أن يبرروا إغضابهم لفاطمة ( عليها السلام ) ، فكما أنها ( عليها السلام ) قد وجدت على أبي بكر وعمر بن الخطاب ، كذلك وجدت على علي ( عليه السلام ) . .
المصطفى من سيرة المصطفى ( ص ) — صفحة 65
مساهمون: السيد جعفر مرتضى العاملي
ص٦٥