خل جسمي وشانه أن جسمي
عرض زائل وظل فان
وامنحي نفسي الخلود لتحظى
بجوار المهيمن المنان
ربة الشعر اكشفي لي المعمى
من دقيق الأسرار في الإنسان
وأنيري قلبي ليفقه معنى
لحدود الوجوب والإمكان
غامض واضح خفي جلي
فيه من كل خصلة ضدان
إن هذا الجرم الصغير أراه
فيه حارت ثواقب الأذهان
كتلة ركبت من اللحم والدم
فدقت حتى على الشيطان
حدثيني عن الإفاضة والفيض
أجنس في السنخ أم جنسان
وعن الانبعاث في الخلق والعلة
في الكون هل هما سنخان
وصدور الإبداع كان نجوما
أم ترى كان جملة في آن
خبريني أثم للفلك الدوار
قصد في السير والدوران
وإلى غاية يسير وفيه
الشمس والبدر خضعا يجريان
أم تراه يجري إلى غير قصد
تائه في مجاهل اللامكان
والوجود الكلي والعقل والنفس
وأمثالها القواصي الدواني
ومؤدى الحدوث والجعل والليس
ومعنى التأييس بالتبيان
أهو كالضوء قاض من منبع النور
أم أن الكنهين يختلفان
أم هو الموج حين يضطرب البحر
وما غيره يرى في العيان
أم مرايا تعددت فتتالت
صور جمة لإحدى المعاني
ما التجلي وما الظهور أبيني
أي معنى تضم تلك المباني
والماهيات والوجود أكانا
بالتتالي أم لا هما توأمان
أم هو الوهم والحقيقة سر
غيبته عناية الرحمن
وتظل العقول تحكي على الدهر
حديثا للفيل والعميان
جل ربي عن زعمهم وتعالى
شانه فهو واضح البرهان
سطعت من فيوضه ومضات
بهرت خاسئ العيون الرواني
فترامى شيخ المعرة مدهوشا
ودكت معرة النعمان
وتردى ( الحلاج ) من وضح النور
هويا وغاص في بحران
ليس في قوله أنا الحق إلا
لوثة من وساوس الشيطان
فغدا يهتف اقتلوني اقتلوني
إن سرا أذعته أرداني
وتهاوى ( الشبلي ) حين تجلت
ومضة من وميضه الشعشعاني
صارخا في الجموع هيا لقتلي
فبقائي في الحب ما أفناني
خطرات من الوساوس والوهم
أطاحت بذلك البنيان
قد تجلى الصباح وامتلأ الكون
ضياء وأشرق الخافقان
وصغار العقول تطلب بالشمعة
نورا من فيضة القمران
شام منه ( أبو يزيد ) شعاعا
فهوى لليدين والأذقان
و ( السنائي ) إذ تجلى سناه
خر كالطود سائخ الأركان
وتهادى ( محمود ) في يده الراز
صريعا كالواله السكران
وتردى ( الرومي ) في الحيرة و ( العطار )
قفاهما ( قضيب البان )
( شمس تبريز ) كورت حين شامت
بارقا من وميض تلك المغاني
كيف لا يسقطون صرعى حيارى
بهرتهم شوارق اللمعان
قبسة أشرقت فخر كليم الله موسى
وزلزل الجبلان
إن هذا الوجود سر معمى
ككتاب يبدو بلا عنوان
بابه موصد وفي الدرب طول
خارج عن حدود هذا الزمان
وقصارى ما خامر الفكر وهم
وقصور عن الجنى وهودان
أين هذا التراب من قدس نور
رشحة من فيوضه العالمان
ليس يرقى لذلك القدس وهم
كيف تسمو لقدسه عينان
وتعالى على المقاييس فالعقل
عقال يبوء بالخسران
ضم سلطانه الوجود جميعا
جل سلطانه العظيم الشأن
أفتدري صنيعة صفة الصانع
أو سر ذلك السلطان
برزت فترة وطارت شعاعا
ما لها في جميع ذاك يدان
كيف ترجو إدراكه بعقول
صغرت عن مظاهر الأكوان
يتجلى لكل قلب نقي
طاهر من عوالق الأدران
ولكم شع نوره في فؤادي
فجرى نور ذكره في لساني
ولكم عم لطفه فرعاني
ولكم جل فضله فكفاني
لا أرى في الوجود شيئا سواه
قد تجلى في سائر الأعيان
فتعبدته بكل زمان
وتطلبته بكل مكان
وإلى وجهه الكريم توجهت
حنيفا وشافعي إيماني
وله مراسلا صديقا :
أبا ( سحر ) ألا يشجيك أني
أكلف صحبة الأموات حيا
وأني حيثما سرحت طرفي
فلست أرى من الأحياء شيا
ومن حولي مسوخ شاخصات
كان الوهم أبرزها لديا
إذا نهق الحمار غلا ارتيابي
ورحت مسائلا نفسي مليا
أيوجد للحياة سواه مجلى
فما يبدو سواه لناظريا
وقال :
لعمرك ما العطر والغالية
ولا المسك عبق أرجائيه
ولا البدر شع بلألائه
ولا الشمس مشرقة ضاحيه
ولا الخمر صرفا تبل الحشى
وتطفئ جمرتها الواريه
بأطيب ريا وأبهى سنا
وأروى لقلبي من ( راويه )
محمد صالح محيي الدين ابن الشيخ علي .
توفي سنة 1321 في النجف .
كانت ولادته في النجف وفيها نشا ودرس . كان ظريفا فكها خفيف الروح ، وعاش حياته مفلسا فظهر أثر ذلك كله في شعره ، فمن ذلك قوله مخاطبا أحد علماء النجف :
راح ثوبي ولباسي
أنت تاج فوق رأسي
كل من عاداك عندي
في البرايا كمداسي
أنت أن تنس جميلا
منك إني غير ناس
أنت غوث وغياث
وعطوف ومواسي
أنت بحر الجود طام
جبل في العلم رأسي
ورفيق وشفيق
ورقيق غير قاسي
ومنيل وجميل
وجليل ذو أساس
اكسني حلة صيف
ما أرى غيرك كاسي
كم بدا غيرك شخص
يزدري شم الرواسي
خلته بارق تبر
فبدا برق نحاس
ماطلا موعد فضل
لابسا ثوب التناسي
سد كل الطرق حتى
سد لي طرق نعاسي
إن أمد كف افتقاري
مد لي كف إياس
قد أناخ الهم عندي
زمن صعب المراس