بعض مجالات اهتمامه
1 - شعره ونثره :
لا تفتا المصادر تردد أن للوزير المغربي نظما فائقا في الذروة ، وترسلا فائقا ، وأنه سيطر على صناعتي الشعر والنثر ، وأن له ديوان شعر ورسائل ، لعلهما كانا مجموعين معا . وينفرد الثعالبي بقوله إنه « كان يجري في طريقة ابن المعتز نظما ونثرا ويجاذبه طرفيهما » ( 1 ) وقد وصلنا من أشعاره مائة و [ حمس ] خمس عشرة وحدة بين مقطوعة وقصيدة ، والمقطعات أغلب ، كما وصلنا من رسائله وأقواله خمس وعشرون وحدة . وليس في شعره أو نثره ما يشير من قريب أو بعيد إلى شركة بينه وبين ابن المعتز ، ولعل تباينهما في الشعر أوضح . فابن المعتز شاعر التصوير المتناوب في جماله بين الأصالة العريقة والصنعة ، بينما ليس من هم الوزير طلب الصورة أبدا ، وإذا جاءت في شعره فإنما تجيء عارضة . وشعره في المقطعات يدل على أنه كان يتعمد العبارة الحلوة والمعنى الجديد ، فمن العبارة الحلوة قوله :
تركيب جديد لمواد مألوفة في التصوير . أما الصورة البعيدة حقا فهي نهيه الناس عن شرب ماء النهر الذي كان يخوضه ذلك السابح لأن الحسن ذاب فيه : أتراه يعني أن من شرب منه سحر ؟ وعلى هذا تقوى رواية من روى « قد ذاب فيه السحر » ولكن هذا اللون من الشعر غير كثير لديه . وجملة القول في شعره أنه نموذج لشعر الكتاب في الرقة والطلب للمعاني . أما رسائله فيبدو فيها التفاوت بحسب العمر والموضوع : فرسالته التي كتبها إلى أبي العلاء المعري وأخيه تراوح بين النثر والشعر بشكل يكاد يكون متساويا ، وهي طريقة تخلى عنها عندما توفر له النضج . والموضوع في الرسالة الأولى مثلا هو التحدي بالمعرفة ، ولذلك لم يهتم فيها بالنسق الأسلوبي قدر استعراضه لمعارفه المختلفة ، أما المطارحات الاخوانية فقد أصبحت قائمة على أسلوب مسجوع من حيث الشكل وعلى تفنن في التعبير عن المشاعر . وخير ما يظهر براعته في الناحيتين رسالته إلى الشريف أبي طاهر في باز كان يتصيد به وفر منه . هنا يمثل فرار البازي الغدر من يد من رضع الوفاء ، وبعد إقامة هذا التناقض يلتفت الكاتب إلى الدراج التي ارتاحت نفوسها لذلك الفرار ، ممن ؟ من الكوكب المنقض على مسارحها ، والسهم القاصد إلى مذابحها . وهكذا يفتح الكاتب المجال لتصوير ذلك « الغادر » الذي كان في الوقت نفسه وفيا لضحاياه من الطيور ، ثم يلتفت إلى المغدور الوفي الذي سيعد للطيور الفرحة شماتة ذوات ظفر جدد أشد فتكا . ثم يجد الأعذار لفرار ذلك الذي سماه غادرا ، وكل أعذاره ترجع إلى علو همة صاحبه ، وهكذا يتنقل الكاتب في رسم المفارقة بين البازي وصاحبه وموقف الطيور الأخرى منهما . والحق أن المغربي كان إماما في الكتابة بين كتاب عصره ، ولكن ما وصلنا من رسائله قليل ، إذ ضاع منها رسائل كثيرة . ومن رسائله التي ضاعت رسالة كلفه الخليفة القادر بالله كتابتها ردا على فئة من اليهود ( 2 ) ، وهي رسالة تعرض ثقافة وجدلا بأكثر مما تعرض أسلوبا فيما أعتقد . ولا يقل أسلوبه الذاتي في كتبه عن رسائله جزالة سبك وروعة عبارة ، والفرق بين أسلوبه في الحالتين هو اعتماد السجع في الرسائل وعدم اعتماده في