كان شيئا لم تجر عادتها به فكان إقصارها عنه ، بل لأنه التماس ما لم تجر المعاملة بينهم بمثله . ثم يسال عن التحدي ( 1 ) : هل لقي بمعارضة بان تقصيرها عنه أو لم تكن بمعارضة ، ولكن القوم عدلوا إلى السيف كما عدل المسلمون مع تسليمهم ولم يعارضوه « ( 2 ) ولا يمكن أن يلقي مثل هذه الأسئلة إلا وهو يعرف أجوبة دقيقة مقنعة لها ، ولعل في ما كتبه في تفسير القرآن ما يجلي هذه النواحي .
4 - تفسير القرآن :
كان للوزير المغربي إملاءات عدة في تفسير القرآن العظيم وتأويله ( 3 ) وربما جمعت في كتاب مفرد ، لقول ابن العديم : « وله كتاب في تفسير القرآن أحسن فيه على اختصاره » ( 4 ) ، وقيل إن اسمه « المصابيح في تفسير القرآن » ( 5 ) وقيل « خصائص علم القرآن » ( 6 ) ، ولعلهما أن يكونا كتابين لا كتابا واحدا . ولم يصلنا شيء في تفسير القرآن للوزير ، ولكنا نستطيع أن نتصور مذهبه فيه من حوارة مع مطران نصيبين . فعند ما ذكر المطران له أن المسلمين يقولون إن لله يدين خلق بهما آدم ، قال الوزير إن يدي الله تعالى هما نعمته وقدرته ، وهذا التأويل شبيه بتأويل أهل الاعتزال . وفي موقف آخر قال الوزير : « العلة في قول المسلمين إن لله عينين ويدين ووجها وساقين يكشفهما وأنه يأتي في ظلل من الغمام هي أن القرآن نطق بذلك ، والمراد فيه غير ظاهر اللفظ ، فكل من يحمل ذلك على ظاهره ويعتقد أن لله عينين ويدين ووجها . . . إلخ ، وأن ذاته تنتقل من مكان إلى مكان وغير ذلك مما يقتضي التجسيم والتشبيه فهم يلعنونه ويكفرونه . . . » ( 7 ) ، فمذهبه واضح في رفض كل ما يوحي بالتجسيم والتشبيه . ونقل عنه في تفسير قوله تعالى : * ( ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ) ) * إن المعنى : إذا عزمتهم على الصلاة وهممتم ، واستشهد على ذلك ببيتي شعر ، فالقيام هنا قيام عزم لا قيام جسم ( 8 ) . وأكبر الظن أنه توقف في تفسيره في مواضع مختلفة لتوجيه بعض الآيات مثل * ( « وغرابيب سود » ) * والسود هي الغرابيب ، فما الغاية من ذكرها ؟ ولو قال القائل إن ذلك تأكيد خرج عن المألوف من مذهب العرب ، لأن العرب تقول : أسود غربيب ، فتقدم ذكر السواد . كذلك ما الحكمة في قولهم : * ( « من فوقهم » ) * في وصف السقف والسقف لا يكون إلا فوق في قوله تعالى : * ( ( فخر عليهم السقف من فوقهم ) ) * ومثل قوله تعالى * ( ( إلهين اثنين ) ) * والعدد في إلهين واضح . وما التناسب بين الأخذ الشديد والرحمة في مثل قوله تعالى * ( ( أو يأخذهم على تخوف فان ربكم لرؤف رحيم ) ) * ( 9 ) . ونحن لا نعرف ما موقف المغربي من هذه القضايا وأشباهها ولا ما هي تفسيراته ، ولكنا نعتقد أنه أولى هذا الجانب عناية خاصة في تفسيره . ومجمل رأيه في بلاغة القرآن وضعه على النحو التالي : « رجحان بلاغة القرآن إنما هو بلوغ المعنى الجلي المستوعب إلى النفس باللفظ الوجيز ، وإنما يكون الإسهاب البليغ في كلام البشر الذين لا يتناولون تلك الرتبة العالية من البلاغة » ( 10 ) ولو مضينا مع هذا الرأي إلى نهايته لاستنتجنا أن الوزير المغربي ينكر وجود الإسهاب في القرآن .
5 - الطب :
في سياسة المرء ( السائس ) لبدنه آراء كثيرة حصلها المغربي من ثقافته الطبية ومن تجربته الذاتية ومن نصائح طبيبه « صاعد بن بشر البغدادي » له . وتتركز هذه الثقافة والتجربة حول الطعام والشراب ، فالاستمراء أساس في الفائدة المرجوة من الطعام . وعلى هذا لا بد أن يكون الغذاء لونا أو لونين متجانسين ، لأن عدم التجانس يؤدي إلى ضعف الاستمراء ، ومع ذلك كله يجب عليه أن يحذر الكظة . وهذا هو رأي صاعد الذي يقول « استعمل الرياضة اللائقة بك ولا تكظ المعدة ، وقد أمنت الأمراض كلها » . أما الشراب فيجب على السلطان أن لا يبلغ فيه حد السكر ، بل يشرب في أول المجلس الكمية التي يتحملها ، ثم يتعلل بما يملأ وقت المنادمة والمؤانسة . ويجب ألا يشرب باستمرار ، بل يخصص لشربه يوما معينا . ومن الغريب أن المغربي يوصي الملك أو السائس بالسهر ، والتعويض عن ذلك بنوم النهار . ويرى أن الحمام ألزم للملك منه للرعية ، لأن الرعية تنفي الفضول عنها بالحركة ، والملك قليل الحركة فكان في الحمام تعويضا عن ذلك . وعليه أن يدخل البيت الثالث من الحمام بقدر احتماله ، ثم يصب على نفسه ماء فاترا ، ليجفف المسام ، ولا يجوز تناول الأكل والشرب مباشرة بعد الحمام ، وإنما يستحسن النوم بعده . فإذا راعى الوصايا المتعلقة بالطعام والشراب والاستحمام كان تتويج ذلك اهتمامه بالرياضة ، وأصلح أنواعها للملوك اللعب بالصولجان ( 11 ) . وهو يعرف من ثقافته الطبية رأي جالينوس في أن قوى النفس تابعة لمزاج البدن ، إلا أنه وجد أن مزاج البدن تابع لقوى النفس أحيانا ( 12 ) .