في كيس ، فإذا وصل إليك التابوت فافتحه فهي العلامة . وكان الذي عهد إليه بوضع الكيس ، هو ابن نباتة الخطيب فعمل بما أوصاه به بعد أن قام بغسله ، فلما وصل التابوت إلى الكوفة قال النقيب : من هذا ؟ فقيل له : الوزير المغربي ، فقال : أين العلامة ؟ إن لي فيه علامة ، ففتح التابوت ووجد الكيس ، فأخذه ودفنه تحت العتبة وكتب عند رأسه : « يا جامع الناس لميقات يوم معلوم اجعل الحسين بن علي من الفائزين » ( 1 ) . وفي رواية أخرى أنه أوصى أن يحمل إلى مشهد الحسين ويدفن تحت رجلي الحسين ، ويكتب عند رأسه هذان البيتان ( 2 ) ( والمصادر تكاد تجمع على الرواية الأولى ) :
ولقد شاع أنه سم ( 3 ) ، وأن ذلك تم حين فصل من ميافارقين ذاهبا إلى بغداد ( 4 ) ، والاقتران بين موته وبين رغبته في مفارقة ميافارقين إلى بغداد هو الذي يوحي بذلك التقدير والظن . وقد وجدنا أن المرض لم يكن يغب الوزير إلا ليعود إليه ، وأنه كان يلم ب « أحشائه » . فإذا كان للسم دور في إثارته فلعله أن يكون سما بطيئا . ويصف ابن بسام هذا كله بقوله : « واستأذن نصر الدولة فخلى بينه وبين مراده ، ولم يجد بدا من إسعاده ووفاء بإنجاز ميعاده ، فلما برزت قبابه ، وكادت تستقل ركابه ، خوف نصر الدولة عاقبة مكره ، وأشير عليه بالرأي في أمره ، فسقاه شربة كانت آخر زاده » ( 5 ) . ومهما يكن سبب وفاته ، فقد سكن ذلك القلق الطويل ، وهمدت تلك الحيوية المتفجرة . وذهب الوزير الكامل ذو الجلالتين بعد أن شغل الناس ، وأصبحوا في النظر إليه شيعا . وفيما كان الوزير المغربي يعالج سكرات الموت كان أبو العلاء يملي على كاتبه تاملاته في الحياة والموت والقدر والمذاهب في شكل لزوميات ، ولما وصله النبأ توقف عن التأمل الخالص ليذرف دمعة على صديق . ولا أعرف شخصا آخر رثي في اللزوميات ، فان يكن الأمر كذلك ، فهذا وحده دليل على عظم المنزلة لصديقه الوزير في نفسه . وبما أن الوزير كان إنسانا غريبا ، وبما أنه عاش غريبا يتسلمه بلد بعد آخر فقد نظم فيه أبو العلاء لزومية غريبة ( 6 ) :
هي سبعة أبيات لكنها جامعة لسيرة إنسان : فيها تأكيد بإيراد الكنية واللقب على الشهرة ، وفيها إشارة إلى الكتب الثمينة التي خلفها الوزير وهي إما أن تكون مؤلفاته القيمة ، وذلك اعتراف بتميز ما كتبه ، وإما أن تكون الكتب التي وقفها بميافارقين وظلت تعرف من بعده بمكتبة المغربي . وفيها اعتراف بذنوب اقترفها الوزير إلا أنها ذنوب صغيرة وسوف يمحوها ما يوازيها لديه أو يفوقها من حسنات وفضائل . ولكن القصيدة ( أو المقطوعة ) تقيم منذ أول بيت الموازاة بين إنسانين ، كما أقامت المساواة بين الطويل والقصير أمام الموت . وإذا كان الوزير طويلا والمعري قصيرا وذهب أحدهما فان الآخر لاحق به . ولكن لما ذا يترحل الوزير ويترك صديقه وراءه ، محطما مبتذلا كجلدة الرحى ؟ ليته وقد شرب صديقه كأس الموت قبل أن يبلغ مساء العمر شرب هو تلك الكأس في ضحى العمر ، واستراح من أم دفر ، التي تعلن للناس أن فقد الوزير أفقد الدنيا طعمها كأنها القدر الفقيرة إلى الأبزار والتوابل . كان المعري حين نظم هذه الأبيات قد بلغ الخامسة والخمسين أو تجاوزها بقليل ، وقد أصبحت الحياة على كتفيه عبئا ثقيلا ، وزادها ثقلا فقد الوزير وغيره من أصدقائه ، ولذلك رثاه بأبيات تعلن قافيتها بسكونها انقطاع النفس أو وشك انقطاعه . وإذا كانت حقا تمثل بعض آخر ما نظمه المعري في اللزوميات ، فان كل ما قبلها مباشرة وما بعدها يتنفس في جو واحد هو استطالة الحياة والدق برفق على باب الموت . وفي آخر لزومية يقول المعري ( 7 ) :
شخصية الوزير المغربي
كل من شاء أن يدرس شخصية الوزير المغربي لا يستطيع أن يتخلص من أحكام ابن القارح على تلك الشخصية ، فقد أثار ابن القارح من حولها غبارا كثيرا ، وأطلق دخانا كثيفا ، لا يمكن طردهما . ولهذا ستظل الرؤية غير دقيقة . وقد كررت بعض المصادر ما قاله ابن القارح دون محاكمة فزادت انبهام الرؤية إلى حد كبير ، وهذا كله مهد لجعل الحسين « محرك النار » في كثير من أحداث عصره ، حتى وإن كان بعيدا ، حتى لقد أصبح لدي كثير من المؤرخين « الوسواس الخناس » الذي يحرك إلى الشر ، ومن السهل أن تصف إنسانا بأنه كان مفرط الذكاء والدهاء بل أن تعده من دهاة العالم ( 8 ) ثم أن تربط به أعمالا قائمة على الحيلة والجرأة ، وأن تصفه بخبث الباطن وارتكاب العظائم ( 9 )