بل يمكن أن يقال إنه في هذا التردد ضيع نقطة الوسط ، وإن كان بتارجحه المستمر يحاول التوسط . ولما قال له المطران إيليا إن الرهبان لا يدعون للإنسان بطول العمر أو زيادة المال أو كثرة النسل وإنما يسألون الله أن يصنع به ما له فيه الخيرة شرح المغربي كيف بارح البحث عن النقطة الوسط . ذكر أنه يفتش عن غاية العز ( ورى بالعز هنا عن أشياء كثيرة ) أو عن غاية الزهد . أما الزهد فغير ممكن في حال الوزير ، لأن الزاهد يخدم نفسه بنفسه والوزير يخدمه الكثيرون . وأما العز فهو يتمناه بلهفة ، ولكنه واقع بالنسبة له بين طمع فيه وحرمان مؤقت منه « ومع طمعي فاني لست مؤيسا منه » ( 1 ) ، فكل ما ناله من عز لم يكن مرضيا له ، ولذلك فهو يحس أنه لم ينل كل ما يريده ، أي هو واقع في نقطة وسط لا يريدها . لا يريد أن يتجه نحو الزهد ، إنه لا يرضى إلا بالطرف الأقصى من العز ، وهذا الموقف الذي يمثل آخر مراحل حياته يدحض رواية تنسب إليه أنه تزهد واعتزل العمل . وتذهب هذه الرواية إلى أنه كان يعايي من يدخل عليه بامتحانه وسؤاله في غير ميدانه العلمي ، وأن شيخا دخل عليه فسأله عن العلم فقال : ما أدري ولكني رجل يودعني الغريب الذي لا أعرفه الأموال العظيمة ويعود بعد سنين وهي مختومة . ( هاهنا تعريض بالوزير ) ، فخجل وآل الأمر أن زار أحد الصالحين ( أو هو الشيخ نفسه ) فقال له : لو صحبتنا لنستفيد منك وتستفيد منا ، فقال : ردني عن هذا بيت شعر :
فانا أكتفي بعيشي هذا . فقال : يا شيخ ما هذا بيت شعر ، هذا بيت مال ، ثم قال : اللهم أغننا كما أغنيت هذا الشيخ واعتزل السلطان ( 2 ) على أنه مهما استبد به استبحاره في الشهوات ، فقد كان ذا غيرة على الإسلام ، وإيمان عميق به ، ولذلك تجده شديد السرور حينما أسلم رئيس اليعاقبة بتكريت ، ذلك هو أبو مسلم مشرف بن عبيد الله الذي كان يعرف بالمطران الكبير : « فهنا الله الإسلام ما يزال يتولاه من إيضاح مناره ، وتبلج أنواره ، وإدامة صبحه ضاحكا تتصدع عنه دياجير الشبهات ، وتنجلي منه ملابس الضلالات » ولعل مما زاده سرورا أن المطران رأى الامام عليا بصحبة الرسول ( ص ) في المنام . فقد كان الرجل شيعيا ، وكان إذا أمن أفصح عن حقيقة مشاعره ، وفي تلك اللحظات كان موقفه من رجالات الإسلام موقفا شيعيا خالصا ولذلك كان علي بطبيعة الحال هو خير الصحابة في نظره :
وحين فارق ابن المغربي مصر كان قد تجاوز الثلاثين ، وهي سن متأخرة للزواج في ذلك العهد ، ولذلك فان زواجه وهو بمصر هو المرجح ، وحين رزق بابنه الأول سماه عبد الحميد - لإعجابه بإمام الكتابة - وكناه أبا يحيى . وكان الذي هناه بمولده صاحب ديوان الجيش بمصر أبو عبد الله محمد بن أحمد فقال ( 3 ) :
وقد كبر ابنه وروى عن أبيه ، وحدث ببعض أخباره ( 4 ) ويبدو أنه أصهر إلى عائلة علوية عراقية إذ يذكر أن أبا الحسن علي بن أبي طالب بن عمر كان صهره ( 5 ) ، وقد كانت زوجته هي بنت العرموم ، ولا ندري أكانت هي أم عبد الحميد ، أم لا ، ولعلها كانت على جانب غير قليل من الثراء ، وكانت لها شخصيتها المستقلة أو حاول زوجها أن يمنحها ذلك المظهر ، إذ تذكر الروايات أنها أهدت أبا كاليجار البويهي لما طلع قلعة إصطخر « مذاف أحمر بهرمان رماني ما يعرف قيمته » ( 6 ) . ولا ندري هل كان عبد الحميد الابن الوحيد للوزير المغربي أو أنه رزق بأبناء آخرين . وقد ظلت الأجيال من بعد تشير إلى الحسين بن علي باسم « الوزير المغربي » حتى أصبح اللقب غير منفصل عن نسبته عند ذكره ، ولكنه لم يكن