تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة العقائد الإسلامية — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
أصلَحَ بَينَهُما ، ولَم يَمضِ عَنهُما حَتّى يُحابّا ، ولَم يَسمَع قَولاً قَطُّ مِن أحَد استَحسَنَهُ إلاّ سَأَلَ عَن تَفسيرِهِ وعَمَّن أخَذَهُ ، وكانَ يُكثِرُ مُجالَسَةَ الفُقَهاءِ والحُكَماءِ ، وكانَ يَغشَى القُضاةَ والمُلوكَ والسَّلاطينَ ، فَيَرثي لِلقُضاةِ مَا ابتُلوا بِهِ ، ويَرحَمُ لِلمُلوكِ والسَّلاطينِ لِغِرَّتِهِم بِاللهِ وطُمَأنينَتِهِم في ذلِكَ ، ويَعتَبِرُ ويَتَعَلَّمُ ما يَغلِبُ بِهِ نَفسَهُ ويُجاهِدُ بِهِ هَواهُ ويَحتَرِزُ بِهِ مِنَ الشَّيطانِ . فَكانَ يُداوي قَلبَهُ بِالفِكرِ ، ويُداوي نَفسَهُ بِالعِبَرِ ، وكانَ لا يَظعَنُ إلاّ فيما يَنفَعُهُ ، فَبِذلِكَ أُوتِيَ الحِكمَةَ ومُنِحَ العِصمَةَ ، فَإِنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى أمَرَ طوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ حينَ انتَصَفَ النَّهارُ وهَدَأَتِ العُيونُ بِالقائِلَةِ ، فَنادَوا لُقمانَ حَيثُ يَسمَعُ ولا يَراهُم ، فَقالوا : يا لُقمانُ ، هَل لَكَ أن يَجعَلَكَ اللهُ خَليفَةً فِي الأَرضِ تَحكُمُ بَينَ النّاسِ ؟ فَقالَ لُقمانُ : إن أمَرَنِي اللهُ بِذلِكَ فَالسَّمعُ والطّاعَةُ لاَِنَّهُ إن فَعَلَ بي ذلِكَ أعانَني عَلَيهِ وعَلَّمَني وعَصَمَني ، وإن هُوَ خَيَّرَني قَبِلتُ العافِيَةَ ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ : يا لُقمانُ ، لِمَ قُلتَ ذلِكَ ؟ قالَ : لاَِنَّ الحُكمَ بَينَ النّاسِ مِن أشَدِّ المَنازِلِ مِنَ الدّينِ وأكثَرِها فَتنًا وبَلاءً ما يُخذَلُ ولا يُعانُ ويَغشاهُ الظُّلَمُ مِن كُلِّ مَكان ، وصاحِبُهُ فيهِ بَينَ أمرَينِ ، إن أصابَ فيهِ الحَقَّ فَبِالحَرِيِّ أن يَسلَمَ ، وإن أخطَأَ أخطَأَ طَريقَ الجَنَّةِ ، ومَن يَكُن فِي الدُّنيا ذَليلاً وضَعيفًا كانَ أهوَنُ عَلَيهِ فِي المَعادِ أن يَكونَ فيهِ حَكَمًا سَرِيًّا شَريفًا ، ومَنِ اختارَ الدُّنيا عَلَى الآخِرَةِ يَخسَرُهُما كِلتَيهِما ، تَزولُ هذِهِ ولا تُدرَكُ تِلكَ . قالَ : فَتَعَجَّبَتِ المَلائِكَةُ مِن حِكمَتِهِ واستَحسَنَ الرَّحمنُ مَنطِقَهُ ، فَلَمّا أمسى وأخَذَ مَضجَعَهُ مِنَ اللَّيلِ أنزَلَ اللهُ عَلَيهِ الحِكمَةَ فَغَشّاهُ بِها مِن قَرنِهِ إلى قَدَمِهِ وهُوَ نائِمٌ ، وغَطّاهُ بِالحِكمَةِ غِطاءً فَاستَيقَظَ وهُوَ أحكَمُ النّاسِ في