حدث فأصله الأشعث ، ولولا محاقّته ( 1 ) أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في معنى الحكومة في
هذه المرّة لم تكن حرب النهروان ، ولكان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ينهض بهم إلى
معاوية ، ويملك الشام ؛ فإنّه صلوات الله عليه حاول أن يسلك معهم مسلك
التعريض والمواربة ( 2 ) .
وفي المثل النبويّ صلوات الله على قائله : " الحرب خدعة " ، وذاك أنّهم قالوا
له : تُبْ إلى الله ممّا فعلت كما تُبنا ننهضْ معك إلى حرب أهل الشام ، فقال لهم
كلمة مجملة مرسلة يقولها الأنبياء والمعصومون ، وهي قوله : " أستغفر الله من كلّ
ذنب " ، فرضوا بها ، وعدّوها إجابة لهم إلى سؤلهم ، وصفَتْ له ( عليه السلام ) نيّاتهم ،
واستخلص بها ضمائرهم ، من غير أن تتضمّن تلك الكلمة اعترافاً بكفر أو ذنب .
فلم يتركه الأشعث ، وجاء إليه مستفسراً وكاشفاً عن الحال ، وهاتكاً ستر
التورية والكناية ، ومخرجاً لها من ظلمة الإجمال وستر الحيلة إلى تفسيرها بما
يُفسد التدبير ، ويُوغِر الصدور ، ويُعيد الفتنة ، ولم يستفسره ( عليه السلام ) عنها إلاّ بحضور من
لا يمكنه أن يجعلها معه هُدْنة على دَخَن ( 3 ) ، ولا ترقيقاً عن صَبوح ( 4 ) ، وألجأه
بتضييق الخناق عليه إلى أن يكشف ما في نفسه ، ولا يترك الكلمة على احتمالها ،
هامش
( 1 ) احتَقّ القوم : قال كلّ واحد منهم : الحقّ في يدي ( لسان العرب : 10 / 49 ) والمراد هنا : المحاجّة
والمجادلة .
( 2 ) المواربة : المداهاة والمخاتَلة ، والتوريب : أن تُوَرِّي عن الشيء بالمُعارَضات والمباحات ( لسان
العرب : 1 / 796 ) .
( 3 ) الهُدْنة : اللِّين والسُّكون ، ومنه قيل للمصالحة : المهادنة ؛ لأنّها ملاينة أحد الفريقين . والدَّخَن : تَغَيُّر
الطعام من الدُّخان ( مجمع الأمثال : 3 / 460 / 4464 ) .
( 4 ) أصل المثل : " عن صَبُوح تُرَقَّق " الصبوح : ما يُشرب صَباحاً ، وترقيق الكلام : تزيينه وتحسينه .
يُضرَب لمن كَنَى عن شيء وهو يريد غيره ( مجمع الأمثال : 2 / 348 / 2451 ) .