إليه ، ولم تُجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره .
قد ذاقوا حلاوة معرفته ، وشربوا بالكأس الرويّة من محبته ، وتمكنت من
سُويداء قلوبهم وشيجة خيفته ، فحَنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم ، ولم يُنفد
طول الرغبة إليه مادّة تضرعهم ، ولا أطلق عنهم عظيم الزلفة رِبَق ( 1 ) خشوعهم ،
ولم يتولّهم الإعجاب فيستكثروا ما سلف منهم ، ولا تركت لهم استكانة الإجلال
نصيباً في تعظيم حسناتهم . ولم تجرِ الفترات فيهم على طول دُؤوبهم ، ولم
تغض ( 2 ) رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربّهم ، ولم تجفَّ لطول المناجاة أسلات ( 3 )
ألسنتهم ، ولا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الجُؤار ( 4 ) إليه أصواتهم ، ولم تختلف
في مَقاوم الطاعة مناكبهم ، ولم يثنوا إلى راحة التقصير في أمره رقابهم ، ولا تعدُو
على عزيمة جدّهم بلادة الغفلات ، ولا تنتضِلُ ( 5 ) في هممهم خدائع الشهوات .
قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم ، ويمَّموه عند انقطاع الخلق إلى
المخلوقين برغبتهم ، لا يقطعون أمد غاية عبادته ، ولا يرجع بهم الاستهتار ( 6 )
بلزوم طاعته ، إلاّ إلى موادّ من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته ، لم تنقطع
أسباب الشفقة منهم ، فينوا ( 7 ) في جدّهم ، ولم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك
هامش
( 1 ) الربقة : عروة في حَبل تجعل في عنق البهيمة أو يَدِها تُمسِكها ، وتجمع الرِّبقة على رِبَق ( النهاية :
2 / 190 ) .
( 2 ) غاضَ الماء يَغيض : نقَص أو غارَ فنهبَ ( لسان العرب : 7 / 201 ) .
( 3 ) جمع أسَلَة وهي طرف اللسان ( النهاية : 1 / 49 ) .
( 4 ) الجؤار : رَفْع الصَّوت والاستِغاثة ، جأر : يَجْأر ( النهاية : 1 / 232 ) .
( 5 ) نَضِلَ البصير والرجُل نَضلاً : هزُل وأعيى وأنضلَه هو ( لسان العرب : 11 / 666 ) .
( 6 ) مُستهتَر : أي مُولَع به لا يَتَحدث بغيره ، ولا يَفعل غَيره ( النهاية : 5 / 243 ) .
( 7 ) أي يَفتُروا في عَزمِهم واجتهادِهِم ( النهاية : 5 / 231 ) .