وَهُم بِأَمْرِهِ ى يَعْمَلُونَ ) ( 1 ) .
جعلهم الله فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه ، وحملهم إلى المرسلين ودائع
أمره ونهيه ، وعصمهم من ريب الشبهات ، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته .
وأمدّهم بفوائد المعونة ، وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة ، وفتح لهم أبواباً
ذُللاً إلى تماجيده . ونصب لهم مناراً واضحة على أعلام توحيده . لم تُثقلهم
موصِراتُ ( 2 ) الآثام ، ولم ترتحلهم عُقب الليالي والأيّام ، ولم ترمِ الشكوك
بنوازعها عزيمةَ إيمانهم ، ولم تعترك الظنون على معاقد يقينهم ، ولا قدحت
قادحة الإحن ( 3 ) فيما بينهم ، ولا سلبتهم الحَيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم ، وما
سكن من عظمته وهيبة جلالته في أثناء صدورهم ، ولم تطمع فيهم الوساوس
فتقترع برينها على فكرهم ، ومنهم من هو في خلق الغمام الدُّلَّح ( 4 ) ، وفي عظم
الجبال الشمَّخ ، وفي قترة ( 5 ) الظلام الأيهم ( 6 ) ، ومنهم من قد خرقت أقدامهم تخوم
الأرض السفلى ، فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق الهواء ، وتحتها ريح
هفافة ( 7 ) تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهيّة ، قد استفرغتهم أشغال
عبادته ، ووصلت حقائق الإيمان بينهم وبين معرفته ، وقطعهم الإيقان به إلى الوَلَه
هامش
( 1 ) الأنبياء : 26 و 27 .
( 2 ) يقال للثقلِ إصر ؛ لأنّه يَأصِرُ صاحِبه من الحرَكة لثقله ( مجمع البحرين : 1 / 500 ) .
( 3 ) الإحْنَةُ : الحقد ، وجمعها إحَن إحَنَاتٌ ( النهاية : 1 / 27 ) .
( 4 ) الدَّلح : أن يَمشي بالحمل وقد أثقلَه ( النهاية : 2 / 129 ) .
( 5 ) القترة : غَبرَة يعلوها سواد كالدخان ( لسان العرب : 5 / 71 ) .
( 6 ) الأيهم : البلد الذي لا عَلَمَ به . واليهمَاء : الفَلاةُ التي لا يُهتَدى لِطُرقِها ، ولا ماء فيها ولا عَلَمَ بِها ( النهاية :
5 / 304 ) .
( 7 ) هفّافة : سريعة المرور في هُبُوبها ( النهاية : 5 / 266 ) .