مادّة أولئك بقطع أسباب تلك الأشياء ، ولا تقطعنّ لأحد من حشمك
ولا حامّتك ( 1 ) قطيعة ، ولا تعتمدنّ في اعتقاد عقدة تضرّ بمن يليها من الناس ؛ في
شرب ، أو عمل مشترك يحملون مؤونتهم على غيرهم ، فيكون مَهنأ ذلك لهم
دونك ، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة .
" عليك بالعدل في حكمك إذا انتهت الأُمور إليك " ، وألزم الحقّ من لزمه من
القريب والبعيد ، وكن في ذلك صابراً محتسباً ، وافعل ذلك بقرابتك حيث وقع ،
وابتغِ عاقبته بما يثقل عليه منه ؛ فإنّ مغبّة ذلك محمودة . وإن ظنّت الرعيّة بك
حيفاً فأصحِر ( 2 ) لهم بعذرك ، واعدل عنك ظنونهم بإصحارك ؛ فإنّ في تلك رياضة
منك لنفسك ، ورفقاً منك برعيّتك ، وإعذاراً تبلغ فيه حاجتك من تقويمهم على
الحقّ في خفض وإجمال .
لا تدفعنّ صلحاً دعاك إليه عدوّك فيه رضى ؛ فإنّ في الصلح دعة ( 3 ) لجنودك ،
وراحة من همومك ، وأمناً لبلادك . ولكنّ الحذر كلّ الحذر من مقاربة عدوّك في
طلب الصلح ؛ فإنّ العدوّ ربما قارب ليتغفّل ، فخُذ بالحزم ، " وتحصّن كلّ مخوف
تؤتى منه ، وبالله الثقة في جميع الأُمور " .
وإن لجّت بينك وبين عدوّك قضيّة عقدت له بها صلحاً أو ألبسته منك ذمّة
فحُط عهدك بالوفاء ، وارعَ ذمّتك بالأمانة ، واجعل نفسك جُنّة دونه ؛ فإنّه ليس
شيء من فرائض الله جلّ وعزّ الناس أشدّ عليه اجتماعاً في تفريق أهوائهم
هامش
( 1 ) الحامّة : خاصّة الرجل من أهله وولده وذي قرابته ( لسان العرب : 12 / 153 ) .
( 2 ) أصحرَ بالأمر وأصحرَه : أظهره ( تاج العروس : 7 / 79 ) .
( 3 ) وَدُع الشيء : سكن واستقرّ وصار إلى الدعة ( تاج العروس : 11 / 498 ) .