ودخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر فقال : إنّه بلغني أنّك يا خليفة
رسول الله استخلفتَ على الناس عمر ، وقد رأيتَ ما يلقى الناس منه وأنت معه ،
فكيف به إذا خلا بهم ! وأنت غداً لاق ربّك ؛ فيسألك عن رعيّتك .
فقال أبو بكر : أجلسوني ، ثمّ قال : أبالله تخوّفني ؟ ! إذا لقيت ربّي فسألني
قلت : استخلفت عليهم خير أهلك .
فقال طلحة : أعُمر خيرُ الناس يا خليفة رسول الله ؟ ! فاشتدّ غضبه وقال : إي
والله ، هو خيرهم وأنت شرّهم ! أما والله لو ولّيتُك لجعلتَ أنفك في قَفاك ، ولرفعتَ
نفسك فوق قدرها ، حتى يكون الله هو الذي يضعها ! أتيتني وقد دَلَكت عينك ؛
تريد أن تفتنني عن ديني ، وتزيلني عن رأيي ! قُم ، لا أقام الله رجليك ! أما والله
لئن عشتُ فُواقَ ناقة ( 1 ) وبلغني أنّك غَمَصتَه ( 2 ) فيها أو ذكرتَه بسوء لأُلحقنّك
بمحْمضات قُنّة ( 3 ) ، حيث كنتم تُسقون ولا تَرْوَون ، وتَرْعَون ولا تشبعون ، وأنتم
بذلك بَجِحُون ( 4 ) راضون فقام طلحة فخرج ( 5 ) .
هامش
( 1 ) أي قَدْرَ فُواق ناقة ، وهو ما بين الحَلْبَتَين من الراحَة ( النهاية : 3 / 479 ) .
( 2 ) غَمَصَه : حَقَّرَه واستَصْغَره ولم يَرَهُ شيئاً ( لسان العرب : 7 / 61 ) .
( 3 ) قال ابن منظور : المَحْمَض : الموضع الذي ترعى فيه الإبل الحَمْض . والحَمْض من النبات : كلّ نَبت
مالِح أو حامض يقوم على سُوق ولا أصل له ( لسان العرب : 7 / 139 و 138 ) . وقال ياقوت : قُنَّةُ : منزل
قريب من حومانة الدرّاج في طريق المدينة من البصرة . وقُنَّةُ : جبل في ديار بني أسد متّصل بالقنان
( معجم البلدان : 4 / 409 ) . ولعلّه قَصَد موضعاً بعينه .
( 4 ) البَجَح : الفَرَح ( تاج العروس : 4 / 5 ) .
( 5 ) شرح نهج البلاغة : 1 / 164 ، الطبقات الكبرى : 3 / 199 ، تاريخ المدينة : 2 / 667 ، تاريخ الطبري :
3 / 428 وص 433 إلى " خير أهلك " كُلّها نحوه .