وثلاثمائة - كانت وفاة أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد ببغداد ، وكان ممن قد برع في زمننا هذا في الشعر ، وانتهى في اللغة ، وقام مقام الخليل بن أحمد فيها ، وأورد أشياء في اللغة لم توجد في كتب المتقدمين ، وكان يذهب في الشعر كل مذهب ، فطوراً يجزل ، وطوراً يرقُّ ، وشعره أكثر من أن نحصيه أو يأتي عليه كتابنا هذا ، فمن جيد شعره قصيدته المقصورة التي مدح بها الشاه ابن ميكال ، ويقال : إنه أحاط فيها بأكثر المقصور وأولها :
إمَّا تَريْ رأسِيَ حاكى لونه
طُرَّة صبح تحت أذيال الدُّجى
واشتعل المبيضُّ في مسوده
مثل اشتعال النار في جَزْل الغضى
ومنها :
إن الجديدين إذا ما استوليا
على جديدٍ أدنياه للبلى
وفيها يقول :
لست إذا ما أبهَظَتْني غمْرَة
ممن يقول بلغ السيل الزُّبى
ومنها :
وان ثوت بين ضلوعي زفرةٌ
تملأ ما بين الرجا إلى الرَّجا
وقد عارضه في هذه القصيدة المقصورة جماعة من الشعراء ، منهم أبو القاسم علي بن محمد بن داود بن فهم التنوخي الأنطاكي ، وهو في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ، بالبصرة في جملة البريديين ، وأول قصيدته المقصورة التي يمدح فيها تنوخ وقومه من قضاعة :
لولا انتهائي لم أطع نهي النهى
أيَّ مدى يطلب من جاز المدى
ان كنت أقصرت فما اقصر قل
ب دامياً تدميه الحاظ الدُّمى
ومقلة ان مقلت أهل الغضا
اغضت وفي أجفانها جمر الغضى