فلما سمع القاهر ذلك الوصف ذهب به الفرح والطرب والسرور ، ونادى بأعلى صوته : يا غلام ، قدَح على وصف الغلاميات ، فبادر اليه جَوارٍ كثيرة قدُّهن واحد ، توهمتهن غلماناً بالقراطق والأقبية والطرر والأقفية ومناطق الذهب والفضة ، فأخذ الكأس بيده ، فأقبَلْتُ أتأمل صفاء جوهر الكأس ونورية الشراب ، وشعاعه ، وحسن أولئك الجواري ، والحربة بين يديه ، وأسرع في شربه ، فقال : هيه . وصف المأمون : فقلت : نعم يا أمير المؤمنين ، ثم أفضى الأمر إلى المأمون ، فكان في بدء أمره - لما غلب عليه الفضل بن سهل وغيره - يستعمل النظر في أحكام النجوم وقضاياها ، وينقاد إلى موجباتها ، ويذهب مذاهب من سلف من ملوك ساسان كأردشير بن بابك وغيره ، واجتهد في قراءة الكتب القديمة ، وأمعن في درسها ، وواظب ( 1 ) على قراءتها ، فافتن في فهمها ، وبلغ درايتها ، فلما كان من الفضل بن سهل ذي الرياستين ما اشتهر وقدِمَ العراق انصرف عن ذلك كله ، وأظهر القول بالتوحيد والوعد والوعيد ، وجالس المتكلمين ، وقرب إليه كثيراً من الجدليين المبرزين والمناظرين كأبي الهُذَيل وأبي إسحاق إبراهيم بن سيار النّظَّام وغيرهم ممن وافقهم وخالفهم ، وألزم مجلسه الفقهاء ، وأهل المعرفة من الأدباء ، وأقدمهم من الأمصار ، وأجرى عليهم الأرزاق ، فرغب الناس في صنعة النظر ، وتعلموا البحث والجدَلَ ، ووضع كل فريق منهم كتباً ينصر فيها مذهبه ويؤيد بها قوله ، وكان أكثر ( 2 ) الناس عفواً ، وأشدهم احتمالًا ، وأحسنهم مقدرة ، وأجودهم بالمال الرغيب ، وأبذلهم للعطايا ، وأبعدهم من التسافه ( 3 ) ، واتَّبعه وزراؤه وأصحابه في فعله ، وسلكوا سبيله ، وذهبوا مذهبه . وصف المعتصم : ثم المعتصم ، فإنه يا أمير المؤمنين سلك في النحلة رأي
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 227
مساهمون: المسعودي
ص٢٢٧
هامش
( 1 ) في نسخة : وأطنب في قراءتها .
( 2 ) في نسخة : وكان أكرم الناس .
( 3 ) في نسخة : وأبعدهم من النفاسة .