وذكر عبد الله بن الحسن بن سعد ، ان المبرد قال : كنت في مجلس القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق ، وحضر جماعة سماهم ، منهم الحارثي الذي قال فيه علي بن الجهم الشامي :
لم يطلعا إلا لآبدة
الحارثيُّ وكوكب الذنب
فجرى ذلك الشعر وإن كان الكلام تسلسل إلى ذكر أبي تمام وشعره ، وأن الحارثي أنشد لأبي تمام معاتبة أحسن فيها ، وأن المبرد استحيا أن يستعيد الحارثي الشعر أو يكتبه منه لأجل القاضي ، قال ابن سعد : فأعلمت المبرد أني أحفظ الشعر ، فأنشدته إياه ، فاستحسنه واستعاده مني مراراً حتى حفظه مني ، وهو :
جعلت فداك عبد الله عندي
بعقب النأي عنه والبعاد
له لُمَة من الفتيان بيض
قضوْا حق الصداقة والوداد
دعوتهمُ عليك وكنت ممن
أناديه على النُّوَب الشداد
قال : وسألته عن أبي تمام والبحتري أيهما أشعر ؟ قال : لأبي تمام استخراجات لطيفة ، ومعان ظريفة ، وجيده أجود من شعر البحتري ، ومن شعر من تقدَّمه من المحدثين ، وشعر البحتري أحسن استواء من شعر أبي تمام ، لأن البحتري يقول القصيدة كلها ، فتكون سليمة من طعن طاعن أو عيب عائب ، وأبو تمام يقول البيت النادر ويتبعه البيت السخيف ، وما أشبهه الا بغائص البحر يخرج الدرة والمخْشَلبة فيجعلها في نظام واحد ، وإنما يؤتى هو وكثير من الشعراء من البخل بأشعارهم ، وإلا فلو أسقط من شعره على كثرة عدده ما أنكر منه لكان أشعر نظرائه ، فدعاني هذا القول منه إلى أن قرأت عليه شعر أبي تمام ، وأسقطت خواطئه وكل ما ذُمَّ من